الذِّكرى اليوميّة لخروج آدم من الجنة.





أفيق كل صباح وأنا أستجمع كل بقايا ما لديّ من آمالٍ وأحلام، بالطبع لا أُحاكم إرادتي لأنني سأكون منشغلاً بالإنصات لأطفالي وهم يقرأون حِرز الصباح، وتأمّل طفلتي التي تسير سارحةَ البال نحو مدرستها التي تحبّها بالطبع، قبل أن أعلق صامتاً في الزحام، أوزّع بصري بين خمس اتجاهات (اليمين واليسار والأمام والخلف وبالطبع عجلة القيادة ولوحة القياسات). لا وقت لديّ لأحاكم إرادتي، لا وقت لديّ لأستمع لشيء، لكني بالطبع أحبّ تأمّل الأفلاك التي تدور سريعاً في رأسي دون أتفه محاولة مني للسيطرة عليها. أحبّ التطفّل بنظري إلى السيارات المجاورة، أحبّ أن أُولِّد مثلاً احتمالات الكلمات في لوحات التسجيل التي تخصّها، أحاول أن أجمع جبرياً أرقام اللوحات حتى أصل لرقم واحد فقط، أحاول معرفة الأرقام التي تتكرّر في اللوحات التي تمكّنت من حساب أرقام لوحاتها، أحاول معرفة عدد السيارات المتشابهة التي مرّت بي أو مررتُ بها، أحاول معرفة مغزى الأمر، أسرار التكرار؛ فالصدفة كما أعتقد هي غاية الانتظام، لكننا عاجزون عن التقاط نظام عملها.

 

أقضي يومي منهمكاً في مهامي وواجباتي، وأتطوّع لإعطاء رأيي في الأسواق المالية لإخوتي وأصدقائي (ليست توصيات بالطبع)، علاوة على ما يطرُف لي من مسائل اجتماعية. بالكاد أتذكّر قهوتي أو فطوري لسرعة سير الأحداث. أخرج لأقوم بنفس ما أفعله صباحاً بشأن النظر في الخمس اتجاهات، وقراءة لوحات تسجيل السيارات، ومراقبة الأفكار التي تدور في رأسي ... إلخ.

 

لكن ما علاقة الأمر بآدم وخروجه؟ كيف لي أن تكون كل أحداث حياتي كذكرى لسقوط الإنسان؟ أدعم فكرة أنني أتذكّر ما يتذكّر آدم عن الجنة، وأدرك أن السعي نحو الخلاص ليس إلا تخليداً لذكرى الجنة وسعياً حقيقياً لها. ما الذي يوقظني كل يوم؟ وما الذي تسرح فيه طفلتي ويسعى له أطفالي؟ نحن لا نعرف الخلاص بعد، لكننا نعرف شعوره لأننا وارثون شرعيون له. ورثنا فكرة أن هنالك راحة، لكننا لا نعرف شكلها، ولن نعرفه أبداً.

 

قريباً ستنتهي ساعات دوامي. نهاية أسبوع سعيدة.

تعليقات

  1. كلماتك خير ختام لإسبوع مزدحم، غير أنّي لا أتذكر منه شيئاً.
    أهلا بك.. لاتقاطعنا حروفك

    ردحذف
  2. سقوطنا مستمر،
    ونبحث عن معنى الفكرة الأولى التي ضاعت.

    ردحذف

إرسال تعليق

التعليق: