سياسة العقل: لماذا يصير العقل أحياناً عبئاً على صاحبه؟

 


مختلفُ المواقفِ الحياتية تؤكّد حقيقةَ عدمِ وجود أغبياء، ولكن لم توجد بعدُ الظروفُ التي تحتم علينا رؤيةَ ما يملكون من ذكاء. ذاتُ الأمر ينطبق على الثقافة مثلاً؛ حينما يكون الفرد ضمن مجموعةٍ تعرف جيداً لعبةَ البودل، أو سباقاتِ السيارات (24 ساعة تحمّل)، سيكون بينهم أخرقَ تماماً حينما لا يستطيع المشاركة، وربما يثير الأمر في داخله نوعاً من استهجان الذات لعدم معرفته بما يلهب حماسة غيره.

في صباحات أحد الأيام، أثناء الطريق إلى المدرسة، كان أطفالي يناقشون خطة المنتخب ولماذا خسر أمام الأردن، ومن مِن المفترض أن يذهب إلى دكة البدلاء، ومن يفترض به أن ينزل إلى الملعب، وكنتُ بينهم مثل الأطرش في الزفّة، أنظر إلى ملامحهم المنفعلة بشدّه واستغراب.

 

قد تكون الأفكار لدى الآخرين بديهيةً لأنهم اختبروها، وتم اختبار مسارات التفكير فيها في عقولهم، بينما عند آخرين لا تزال تلك المسارات الفكرية على حالها، ولم تعمل بعد. العقل أقوى وأكثر إعجازاً مما نعرف؛ وصل التطرف بالبعض إلى القول أنّ الخطأ لا يمكن أن يصدر عن عقل، بل يصدر عن جهل!

 

كيف تتبدد قوى العقل؟

 

- العقل حينما لا يتم إعماله ينقلب على ذاته، ويهاجم ذاته بالأوهام والأفكار التي لا تمتّ للواقع بصلة، أو ربما يقوم بقياسات خاطئة للبيانات تؤدي إلى نتائج خاطئة. في كلا الحالين، حينما يكون متخماً بالأفكار ودون آلية جيدة للتصريف، تتبدد قواه وينهار على ذاته، ورأينا كثيراً عباقرةً ساءت أحوالهم وآلت إلى الجنون.

 

- غياب هدف ومعنى واضح للتفكير؛ فلولا تصدي الأشجار الكثيفة للرياح لتبددت الرياح في الفراغ. العقل يحتاج إلى حدود توقفه حتى يستوعبها ويدركها، كما يحتاج البصر إلى الحدود ليدرك جمال الأشياء. تخيّل أن تنظر إلى المدى دون أن تجد ما يحدّ بصرك؛ ستُبدد هذه النعمة التي حُرم منها البعض، وهي نعمة النظر. التفكير كذلك يحتاج إلى حدود وقواعد؛ أحياناً لا توجد قاعدة واضحة، ويُكتفى فقط بإدراك المعنى والقصد مما نفعل بأفكارنا وعقولنا.

 

- الطمأنينة المفرطة تجاه ما يبدو بديهياً؛ ذلك لأن العقل الرخو الذي لا يتم صقله باستمرار يسهل التأثير عليه، وينجذب نحو كل ما يكون بديهياً. العقل يعمل جيداً مع القلق والشك؛ لا أحد يندفع نحو المعرفة باليقين والطمأنينة. محاكمة الأفكار المُحكَمة أحياناً، ودراسة طريقة بنائها والمنهج الذي بُنيت به، وسيلة لشحذ العقل وصقله.

 

- القلق المفرط عدو العقل، خصوصاً حينما يكون قلقاً غير موجه وغير مبرر. الإفراط في توقي الأشياء قبل حدوثها مهلكة للعقل، كما أنه لا يمنعها. أفضل فكرة لإيقاف القلق المفرط هي الإيمان بأن أي توقع يمكن السيطرة عليه لا يسوغ القلق، وأي فكرة لا يمكن السيطرة عليها لا تسوغ القلق أيضاً لأنها خارج سلطة الإنسان.

 

كيف يُساس العقل؟

 

- المعرفة المفرطة قد تكون عائقاً للعقل أحياناً. نسمع بمقولة: «من عمل بما علم أورث علم ما لم يعلم». المعرفة دون إعمال أو تثمير قد تؤدي إلى انكماش واضمحلال العقل، فتُصبح حركته أبطأ، والتفكير أكثر صعوبة، ما لم يوظف الفرد معرفته باستمرار لمقاربة الوجود.

 

- اللعب أداة فعّالة جداً لسياسة العقل؛ تدريب مسارات الذهن باللعب (الحركة نحو هدف محدد لا تشترط جدواه)، كرصد المقاصد، وتأمل المعاني، والقياس والحساب، ودراسة النحو وممارسة النقد، كلها أساليب لعب تطور الذهن. كانت من الوصايا القديمة للملوك حينما تتبلد أذهانهم ويخامرهم القلق والهموم بالتوجهَ نحو الصيد، كأنما يكون الأمر عملاً بالقاعدة الطبية اليونانية: "عش في الهواء الطلق، وكن دائم القلق!"، وكأنما تكون انعكاساً لمبدأ: "العقل السليم في الجسم السليم!". القلق الإيجابي مفيد للعقل، بل وبرر من أوصى بالخروج في رحلات الصيد بأنها من أكثر الأشياء قدرةً على إطلاق قدرات العقل الكامنة مثل حسن التوقع وصدق الحدس، علاوة على تعزيز مهارات التحليل، وتفعيل العمليات اللاواعية لقراءة الإشارات المتناهية الصغر التي تنذر بالأشياء. حتى متابعة مباراة أو حدث سياسي أو اقتصادي حتى النهاية إحدى طرق اللعب المفيدة للعقل؛ لأن العقل يُفعل الخبرات المختلفة، ويربطها بالواقع، ثم يطلق حكمه وتوقعه، ويراقب تحققه، ويقوم بتطوير الخبرة والاحكام وفق هذا القياس.

 

- عدم تصريف المشاعر والأفكار السلبية يؤدي إلى فرط عمليات خلفية في التفكير واللاوعي، كأنما يكون فايروس برمجي يشغل عملياتك الذهنية اللاواعية . تعلم التخلّص من مشاعرك السيئة، اسمح لصلفك بالخروج، عاقب الوضيع، ولا تتردد في سب الأشياء السيئة، واضرب بيدك ما يسحق الضرب، واصرُخ في وجه من يستحق الصراخ، وكن حازماً، وتخفف من اللباقةٍ المفرطة في غير محلها. يُنسب لأحد عباقرة الفلسفة القول بأن النبيل يحتاج إلى عدوٍّ جيد، حتى يتخلص من الصلف والغضب. بطريقة ما، يحتاج الذهن أحياناً إلى كبش فداء يُشوى في المذبح. التنفيس عن المشاعر والأفكار السيئة بمختلف الطرق يخفف من قدرتها على إحداث لوثة تسمم العقل وتعطل قوته وتشوه جماله.

 

- التنبه للجمال، وتدريب العقل على مراقبة الأنماط، أداة جيدة لسياسة العقل. البحث عن التناسق في الأشياء، ومراقبة ما خلف الصدف، والسعي لمعرفة المغزى من الأشياء، كلها أمور تنمي العقل. كل الأشياء تحدث لسبب ما؛ ما يهم العقل ليس النتيجة، ولكن كيفية الحدوث.

 

ما الغاية النهائية؟ ما حصيلة سياسة العقل؟

 

الغاية النهائية أن تكون مثلما يُروى عن الأحنف بن قيس؛ حينما أتاه بعض قومه يريدون رأيه، فاعتذر بكبر سنّه وتقادم عقله، وطلب منهم النقاش أمامه، وأخبرهم بأنه سيوقفهم حينما يُعرض الرأي السليم؛ لأنه يعرفه. كما يروى عن أحد كبار الفرضيين أنه مر بمعضلة اثناء قسمة التركة لإن من بينهم كان خنثى، فاحتار ايقسم له قسمة الذكر أو الانثى، حتى كاد أن يترك المسألة، فرأته جارية لديه فسألته عما يكربه فشرح لها المسألة فأجابته بمنتهى البساطة "اتبع الماء!" كانت هذه الكلمتين كافية لحل المشكلة وتحديد جنس الوارث ومن ثم الحكم له بعدالة بنصيبه من التركة.

 

 المعرفة الزائدة ليست مهمة، كما أنها تعيق أداة يصعب تفسيرها، وهي الحدس. ما يهم فعلاً هو أن تجيد الحكم السليم على الأشياء بسرعة ودقة، وهذه في النهاية جوهرة وظيفة العقل.

 

أخيراً: هل أنت سيد عقلك أم العكس؟


تعليقات