تزجية العمر!

 


لم تكن نهاية أسبوعي هذه المرة كسائر الأسابيع. لعلّي مصاب بما يمكن تسميته متلازمة الإنجاز؛ إذ أجد صعوبة حقيقية في البقاء دون عمل أُنهيه. لا أعرف سرّ هذا الركض الدائم، لكني ابن القرية، وفي القرية يجب أن يكون للمرء عملٌ ما ينجزه.

تقادَم عمري، رغم حداثة ملامحي، وأشعر باستهلاكٍ حقيقي. في إحدى جلسات السلام مع الذات قررت أن أمارس كل شهر طقسًا خاصًا أسميته: طقس اللا شيء. كانت الفكرة ثقيلة في بدايتها، ثم جاء ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه أن تأمّل الأشياء المجرّدة هو أجمل أيامي على الإطلاق.

جلست مرة أراقب أطفالي. لدى الجميع ما يشغله، باستثناء أصغرهم؛ يركض، يتشقلب، يلاكم الهواء، يمرّ بي ليعانقني على عجل، ثم يعود مرة أخرى ليصفعني لأني نهرته وطلبت منه الهدوء. لا شيء لديه ليفعله. وحين يلتزم الهدوء أرتعب، وأُعدّ العُدّة للسهر، خوفًا من أن تكون أصابته نوبة حُمّى.

أتساءل: ما الذي يسرح فيه طفل حين تسرح عيناه؟ إلى أين تشرد أفكاره؟ قد نظن أن الفكرة عظيمة، لكن حين أُقاطع شروده يخبرني بأمرٍ ساذجٍ جدًا… لكنه كان يشغله.

أتذكر أجدادي قبل ثورة الاتصالات والبث الفضائي. كان موعد العشاء بعد صلاة المغرب، ينتظرون الأذان، ثم يُسنِدون رؤوسهم إلى الجدران، يتأملون الفراغ، ويستجرّون الذكريات، أو الأفكار، أو الآمال. هكذا كانوا يزجون الوقت.

عرفت لاحقًا من يزجّي وقته بالاستماع إلى المذياع، أو الرسم، أو القراءة. طفلتي تزجّي وقتها بمحاولة محاكاة بيكاسو. أحبّ مقاطعتها فقط لأسمع صوتها الأجشّ وهي تقول:
"أرسم زي بيكاسو يا بابا."

فقط في الوقت الفارغ يواجه الإنسان ذاته. في الفراغ ستتعرّف أيَّ وحشٍ ضارٍ تحبسه في داخلك. إن كنتَ معافى، فهذه نعمة جليّة؛ كثيرون يكافحون الألم أو يتعلّمون التعايش معه، بينما المعافى يشكو الملل.

متى آخر مرة تأمّلت نواميس الكون؟
ومتى آخر مرة قرأت القرآن أو تفاسيره؟
ومتى آخر مرة راجعت نفسك؟
ومتى آخر مرة حاكمت أهدافك وخططك؟
مع أن الأخيرة – عن خبرة – غير مجدية، لكنها بطريقةٍ ما تحمي من القلق. فالقلق، في بعض أشكاله، ليس إلا صورة من صور فرط الحرية أمام كثرة الخيارات والبدائل.

غاية هذه التدوينة ليست تمجيد الفراغ، بل دعوة للوعي بالطريقة التي نُزجّي بها الوقت.

تعليقات