أصالة الذروة في بنية الكون، أن تُخلق النهاية مع البداية في آنٍ معًا!

 

Caspar David Friedrich - Die Lebensstufen (ca. 1834)


كطالبٍ كان يجلس سعيدًا في حصص الديناميكا الحرارية، لأنه رسميًا بدأ يتعلّم الهندسة الميكانيكية، لم أكن أعلم أنني أدخل بقدميّ إلى أحد أعظم دروس التاريخ. لم يعلّمني أحد ذلك، لكن بدا لي لاحقًا أنني وضعت يدي على مفتاح يسمح لي بأن أفهم الأشياء أكثر، وأدركها أعمق، بل وأتنبأ بها إلى حد ما. كان المحاضر مملًا؛ يمتلك مؤخرة كبيرة تجعل من وقوفه للشرح مهمة شاقة عليه، وصوتًا أكثر مللًا من حضوره، وأسلوبًا لا يليق بمادةٍ تحتاج إلى خطيبٍ وفيلسوف، وربما رجلٍ رشيق يهتف ويكبّر ويهلل وهو يشرح قوانين الديناميكا الحرارية. ومع ذلك، كانت الفكرة أكبر من الشرح.

ما استوقفني وما أنا بصدد الحديث عنه هو مخطط الأطوار الفيزيائية، الذي سيصبح لاحقًا وفي منظوري مخطط الأطوار لكل شيء. يشرح هذا المخطط كيف تُخزَّن الطاقة في المادة حين تغيّر حالتها الفيزيائية (صلب – سائل – غاز)، أثناء عمليات التحول المختلفة (انصهار، تجمد، تبخر، تكثف، تسامي، ترسّب).

الفكرة المبهرة فلسفيًا تكمن في نقطةٍ تقع عند قمة هذا المنحنى، تُسمّى النقطة الحرجة أو نقطة التحول. وهي حالة لا تختفي فيها الفروقات بين حالتين فحسب، بل تتلاشى إمكانية التمييز بينهما أصلًا. إنها ذروة النظام السابق، وما يليها ليس استمرارًا له، بل انهياره الكامل. في هذه النقطة، تصبح الطاقة أعلى من قدرة النظام على تحويلها إلى قيمة. كل طاقة إضافية لا تعني مزيدًا من الفاعلية، بل ترفع احتمال تغيّر البنية الأصلية للنظام. إنها حالة لا يمكن الرجوع بعدها إلى ما قبلها دون تشوّه؛ لا يمكن استعادة الحالة الأولى، ولا يوجد مسار تقليدي واضح للأحداث. هي ذروة القوة، وذروة التعقيد، وذروة هشاشة الفهم؛ حيث يصعب حبس الظواهر التي تحدث خلالها داخل أي مفهومٍ بسيط أو تعريفٍ مستقر.





 

المثير حقًا أن هذا المنحنى، عند التأمل فيه، يتكرر في بنية كل شيء تقريبًا:

في الدورات الاقتصادية (فكرة – صعود – نمو – تضخم – ركود – انهيار)، وفي دورة حياة الإنسان (طفولة – شباب – نضوج – كهولة – وفاة)، وعليك القياس.

هذا المنحنى يمنح للنهايات معنى مقبولًا، بل مريح أحيانًا؛ إذ إن انهيار أي منظومة ليس فناءً، بل تغيّر حالة، وولادة نظام جديد، وقصة جديدة. أمثلة النقاط الحرجة لا تُحصى. تلك اللحظات التي تفصل بين الذروة والانهيار:

عند ماركيز في مائة عام من العزلة، كانت لحظة قراءة أورليانو الأخير للمخطوطات، وفهمه أن تاريخ العائلة كُتب سلفًا. وعند كامو في الغريب، كانت في رفض ميرسو التوبة والاعتراف بأي معنى قبل إعدامه. وعند ساراماغو في العمى، لحظة استعادة البصر الجماعية بعد انكشاف الانهيار الأخلاقي. وعند شكسبير في هاملت، حين أدرك هاملت أن التردد نفسه قرار، فقبل المواجهة النهائية. وفي التاريخ، كانت النقطة الحرجة في قصة نابليون هي هجومه على روسيا، وفي قصة تشي غيفارا، كان قراره الذهاب إلى بوليفيا رغم إدراكه أن الظروف لم تنضج بعد؛ قرار انتهى بأن يقف الناس أمام جثته لالتقاط الصور التذكارية.

 

الخلاصة بسيطة وقاسية في آن معاً:

الذروة، أو النقطة الحرجة، ليست نهاية الأشياء، بل اللحظة التي تتكشف فيها حدودها بوضوحٍ لا لبس فيه.

الخبر السيئ للبعض هو أنه لا يمكن التمرد على هذه اللحظة. ستأتي، عاجلًا أم آجلًا.

الاستمرار المطلق وهم، والخلود وهم.

ويقول أهل العلم إنه لا يجوز تمني الموت أو الدعاء به إلا في حالة واحدة، استدلالًا بقصة يوسف عليه السلام، حين بلغ من الشأن ما بلغ، واجتمع عنده أهله، فقال:

﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: 101)

النهاية الأفضل ليست في المقاومة، بل في الوعي بأن لا مناص من قيود نظام الكون. لا استمرار أبدي، لا خلود، كل شيء يتبدد، كل شيء يتغير، كل شيء يمر… وتقبّل النهايات هو الواجب العقلي والمنطقي الوحيد للعبور بسلام بأقل قدر ممكن من التشوه والألم.

 

 

 


تعليقات