"حيث يمرّ الآخرون مرور الكرام، أجدني لا أزال واقفاً"

 



لم يكن لودفيغ فتغنشتاين فيلسوف تقليدي بقدر ما كان فيلسوف الصراع مع الذات. فيلسوف متورط وجودياً في معنى حياته، كان يرى أن فهم الحياة لا يتم إلا عبر المرور من جهة الموت، لذلك لم يكتفِ بتأمله من بعيد، بل اندفع لعيش التجربة نفسها، حيث تسقط المفاهيم وتبقى الحقيقة عارية.

تنازل عن كرسي التدريس، وأعلن بوضوح مؤلم قائلاً: "لا شيء أصعب من أن لا يخدع الإنسان نفسه." هرب من الحياة الأكاديمية، ومن التلاميذ، ومن الحلقات الفلسفية الشهيرة في عصره، لأنه لم يكن يريد أن يشرح الفلسفة، بل أن يعيشها كأسلوب حياة. كان يرى التفلسف نضال دائم ضد الطريقة التي تسحر بها اللغة العقل، فتجعله يظن أنه فهم بينما هو لم يفعل.

قال إن اللغة أداة نرسم بها العالم، ثم عاد ليصحح نفسه بإن اللغة لا تُفهم في ذاتها، بل بحسب استعمالها. وانتهى إلى أن اللغة ليست مرآة للواقع، بل لعبة تخص الخطاب، وأن "اللعبة اللغوية" أكبر من السياق وأوسع من التداولية، لأنها تشتمل عليهما معًا داخل شبكة من الممارسات وأنماط العيش، بل إنها أكبر من اللغة ذاتها.

ما حاول إيصاله هذا العبقري هو أنّ من لا يفهم اللعبة اللغوية سيظن أن الآخرين يتكلمون بلا معنى، بينما الحقيقة أنّه لم يدخل اللعبة بعد.

كتب فتغنشتاين قليلًا، لكن أثره كان كثيفًا. من "الرسالة المنطقية الفلسفية" حيث حاول رسم حدود العالم باللغة، إلى "تحقيقات فلسفية" حيث فكك المشروع نفسه، مرورًا بـ "حول اليقين"، "الثقافة والقيمة" و"الملاحظات الزرقاء والبنية". لم يكن يراكم الأفكار، بل كان يهدم ويعيد بناء المشروع نفسه.

انتهى كما عاش: بعيدًا عن الضجيج. مات عام 1951 بعد صراع مع السرطان، وقال في أيامه الأخيرة:

"إنني عشت حياة رائعة."

ربما لأنه أخيرًا توقف عن محاولة تفسير العالم،

واكتفى بالوقوف فيه.

تعليقات