فرانكنشتاين – فكرة التمرد
القصص التي يتم فيها خلق الإنسان خارج نسق الخلق الإلهي تتكرر عبر الثقافات بوصفها أسطورة التمرد الكبرى؛ ذلك التوتر الأزلي بين قدرات الإنسان وحدودها، بين رغبته في أن يكون خالقًا، ووعيه بأنه مخلوق. ومن هنا يتقاطع فرانكنشتاين مع سلسلة طويلة من الحكايات التي تناولت فكرة "الخلق الثاني"، أو "الخلق الاعتباطي" الذي يقوم به بشر لا يرضون بحقيقة وجودهم.
يتجلى
خلق آدم كفعل إلهي خالص: مادة من طين، ونفخة من روح. هذه الثنائية الطين والروح أصبحت نموذجًا أصيلاً يقاس عليه كل "خلق ضعيف
وناقص" يظهر لاحقًا في الحكايات والأساطير. والتفاصيل التي ترد عن سريان
الروح في الجسد تمنح الصورة بعدًا دراميًا، كأن الإنسان يولد وهو يميل للسقوط،
ويستند على عصا مُعجّلة، ما يرمز إلى هشاشة الوجود منذ اللحظة الأولى. فيقال إن الروح
أول ما بُثّت في رأسه، ثم بدأت تسري من الأعلى نحو الأسفل، حتى يقال إنه حينما
وصلت الروح إلى جذعه حاول بطبيعته العَجِلة أن يستقيم، وكاد أن يسقط، لكن الملائكة
عاجلته بعصًا من الجنة ليستند عليها، وكان آخر ما سرت فيه الروح قدماه. ويقال إن
الموت حين يقترب حقًا من الإنسان يكون أول ما يتخلى عنه قدماه، فتصيبه تلك
الارتعاشة التي تُسمّى عند العوام “أمّ
الركب”.
وصولاً لأول محاولة بشرية للخلق: السامري
والعجل
فقصة السامري تمثل أول محاولة واضحة لـتقليد الفعل
الإلهي فلم يكن العجل مجرد تمثال؛ بل كان محاولة لإضفاء "روح" على ما لا
روح فيه.
وهنا يظهر المبدأ الرمزي الأول: "أن الإنسان حين يخاف، يحاول خلق بديل يعيد له
السيطرة."
هذه المحاولة في الأصل لم تكن خلقًا، بل اعتراضًا
على غياب موسى، فكان "صنع العجل" بوابة للفوضى لا للربوبية. تأتي أسطورة الغالوم في التراث اليهودي كتجسيد لـ "الإنسان
المصنوع"، كائن ضخم يُنحت من الطين ويُفعَّل عبر أحرف مقدسة. لكن هذا "المخلوق" يعمل بمنطق الأوامر،
بلا روح، بلا حرية.
ولذلك يتمرّد بسهولة، لأن الوعي الناقص ينتج قوة
بلا حكمة.
وفي أشهر الروايات، اضطر الحاخام لوي بن بتساليل المعروف
بـ"ماهارال براغ"
إلى نزع كلمة الحياة من فمه وجبينه لإعادته ترابًا (لاحظ
فكرة الانتزاع وتشابه الرمز مع القلب الوامض للرجل الحديدي في سلسلة أفلام عالم
مارفال!"
إن الغالوم يجسد فزع الإنسان من ضعف قوته فهو يريد
حاميًا، لكنه يصبح يخشى الوحش الذي يصنعه بيده. وصولاً إلى فرانكنشتاين فهو ليس مجرد رواية رعب. إنه من الناحية الرمزية، تحويل الأسطورة إلى خطاب فلسفي. فالمادة ليست
طينًا في فرانكنشتاين، بل بقايا بشر. النفخة
ليست روحًا، بل شرارة علم. الصانع
ليس نبيًا ولا حكيمًا، بل شاب مضطرب يريد تجاوز حدود البشر. الوحش يبدو أكثر وعيًا من صانعه، وأشد إدراكًا
لفكرة الوحدة والخلود والموت. وحين
يطلب "رفيقة"، فهو يعيد تمثيل لحظة آدم الأولى لإنه قرأ القصة في كوخ
العجوز الذي يظنه روح الغابة لكن
فرانكنشتاين يخاف من امتداد السلالة، لأن السلالة تعني موتًا بعد حياة، وتعني أن "الخلق
يبقى بينما الصانع يفنى"، وهو ما يضع الإنسان في مواجهة خوفه الجوهري الأصيل
من الزوال.
في النسخة الجديدة من الفيلم، تحضر أوروبا بعد
الثورة الفرنسية كخلفية رمزية، أجساد
تُعدم، وجماهير ترقص، وقيم تُنسف وحروب عبثية دون معنى تتناثر فيها الجثث والأشلاء. كأن الفيلم يضع "الخلق الثاني" في زمن
تخلخلت فيه السلطة والهوية، وكأن الوحش هو مرآة عصرٍ يبحث عن معنى جديد للحياة
والموت.
أخيراً
سواء في الغالوم أو السامري أو
فرانكنشتاين، تتكرر الفكرة ذاتها: "الإنسان لا يحتمل ضعفه" فيحاول
إعادة رسم حدود القوة، وحين
يصنع ما يشبهه، يكتشف هشاشته من جديد. وهنا
يتجلى جوهر الفكرة:
"أي محاولة للتمرد على الضعف تعيد
تأكيد أصالته!" كما
أن جلّ الأعمال تؤكد إدراك مبدعي فكرة الغالوم أو فرانكنشتاين أو غير ذلك إلى
فهمهم الكامل للنهي الوارد في الوصايا التي نزلت على موسى "لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا، ولا صورة ما،
مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض." سفر
الخروج ، الإصحاح 20، العدد 4 (Exodus 20:4).

شاهدت الفيلم وكنت أراه مأساة إنسانية قبل أن يكون خيالًا علميًا، وقراءة مقالك أضافت له بعدًا فلسفيًا آخر. شكرًا على هذا التأمل الجميل
ردحذفلاقيت نفسي أقول: يا سلام.
ردحذفشكرا لك.