على سبيل الجدل: المبدع لص يرفض الإقرار بذلك!

كنت أشاهد لقاءً للموسيقي العبقري هانز زمير، وصرّح بكل صراحة وثقة قائلاً: "موسيقاي ليست أصلية، موسيقاي محصلة كل شيء سمعته في حياتي!" وتذكّرت كل جدل نقدي يثور عن مسألة السرقة، يثور بداخلي الجدل عن حقيقة الإبداع نفسها: هل الإنسان حقاً مبدع؟

شرط الفن الأصالة، بمعنى استحداث الكيفية على غير صورة سابقة، لكن حينما نعيد النظر لهذا الأمر (فكرة الأصالة والإبداع)، لا نجد ولن نجد حالة أصيلة. فيكو الذي أحب أن أحيل إليه كثيراً، والمفاهيم التي أشار لها بشأن استحالة تطور أي شيء خارج الحالة الطبيعية، وحاول الإيحاء إلى فكرة أن الشعر محاكاة لغة الآلهة، واللغة البليغة محاكاة الشعر، محاولةً للوصول لنقاء اللغة المقدسة. لاحقاً، هايدغر وبورخيس وحتى دريدا ضمنياً كانت لديهم أفكار قريبة من هذا المعنى.

سأعطي مثالاً آخر عن الأويديسة وهرومويوس مثلاً، والكم الهائل من الآلهة والصور فيها: هل تكون كلها وليدة عقل عبقري واحد؟ أم أن الأساطير تولد أساساً في الأحلام؟ وهي تكملة لعملية معالجة العقل للظواهر الطبيعية التي تعسر عليه فهمها! لا تنتهي ريبة الفن هنا؛ الفن السريالي مثلاً، فن فان جوخ وحالته الذهانية... ووو إلخ، لا زالت أفكاري التي تتوارد عليّ عن الفنون.




لكن ماذا عن النصوص؟ اقرأ الاقتباس التالي عن العالم الشهير كارل يونغ يونغ حيث يقول: "أنا نفسي اكتشفت مثالاً رائعاً عن هذا الأمر في كتاب نيتشه ((هكذا تكلم زارادشت))، حيث يعيد الكاتب ذكر حادثة من الحوادث، كلمة كلمة تقريباً؛ حادثة ورد ذكرها في سجل إحدى السفن عام 1686. ذلك أنني بمحض المصادفة كنت قد قرأت ما سجله ذلك البحار في كتاب نشر عام 1835 (أي قبل نصف قرن من الزمن الذي كتب فيه نيتشه كتابه)، وعندما وجدت الفقرة المشابهة في ((هكذا تكلم زارادشت))، فاجأني أسلوبها المتميز، الذي كان مختلفاً كل الاختلاف عن أسلوب نيتشه ولغته المألوفة. فاقتنعت أن نيتشه لا بد وأن يكون قد قرأ ذلك الكتاب القديم، رغم أنه لم يشر إليه قط. بادرت بالكتابة إلى أخته التي كانت ما تزال على قيد الحياة، فأكدت لي أنها هي ونيتشه كانا قد قرآ فعلاً ذلك الكتاب حين كان هو في الحادية عشرة من عمره. ومن سياق النص، أعتقد أن نيتشه لم يكن لديه أية فكرة عن أنه كان ينتحل تلك القصة لنفسه. كما أعتقد أنها، بعد خمسين سنة، انزلقت على نحو غير متوقع إلى مركز ساحة الوعي عنده. في هذا النوع من الحالات، يكون هنالك تذكر خالص، وإن كان غير مدرك. الأمر ذاته قد يحدث لموسيقي كان قد سمع لحناً ريفياً أو أغنية شعبية في طفولته، ثم يجدها تظهر من جديد على شكل موضوعة لحركة سيمفونية يؤلفها بعد أن يكبر. فالفكرة أو الصورة تتحرك، عائدة من ساحة اللا شعور إلى ساحة الشعور." المعنى أن الكاتب أو الروائي علاوة على كل ما أوردته عن الفن، يمكن أن يستعير دون وعي قصص من تجربته لا تتعلق به وبكيفية ماء سينسب الأمر لنفسه.


على كل ما سبق، هل يحق لنا أن نتهم الآخرين بالسرقة؟  

وهل يحق لنا أن ننعت الآخرين بالإبداع؟

 الإنسان يحاول محاكاة خلق الله، يعيد تصوير فهمه لتجربة وجوده عبر ممارسته الفريدة للفن... وهذا حق مشروع له

أخيراً: من أسماء الله (الخالق، البارئ، المصور، البديع)، المعنى المشترك بينها كلها أنه هو وحده القادر على إبداع الشيء دون صورة أو سابق مثال. وهذا هو جوهر التحدي الوجودي: أن تعيش، وتحافظ على شعور الانبهار بهذا الإبداع الرباني الذي يتجلى في كل شيء.


هل أنت عزيزي القارئ معي فيما ورد أعلاه.. أو مع الأسف!

تعليقات