لا تنسى الاستمرار في التحقق من سرديتك الذاتية!
إن حدث ومررت بكتاب "المحاضرة الأخيرة" لراندي بوتش – الرجل الذي كان يحتضر وقرر وضع خلاصة حياته في محاضرة أخيرة، من أجل أطفاله الذين سيفوته نقل تجربته لهم. ستجد أن راندي أفرد فصلًا عن أحلام الطفولة.
الأحلام بكيفيةٍ ما تصبح محور ارتكاز لتحديد شكل الهوية. صرخة سقراط الشهيرة (أيها الإنسان: اعرف نفسك!) كانت خلاصة ومحصلة حياة شخص يعرف بقرب خروجه من العالم بسبب سمّ الشكران الذي أُجبر على شربه. يعرف الإنسان ذاته حينما يستطيع تحديد ما يريد. الغاية والأحلام والآمال تحدد المعنى أو العكس، والمعنى يحدد حجم همّة صاحبه. الغايات بكل الطرق قادرة على تحديد شكل السلوك والمسار الذي سننتهجه في الحياة. لهذا ولزامًا على الإنسان أن يعيد في كل مرة ضبط غاياته.
لا أحد مهما علا شأنه سيستطيع الانفصال عن أحلام ورغبات الطفولة، وأعد بنفسك مراقبة وتقييم مواهبك ومهاراتك، ستجد رغبات الطفولة وأحلامها حاضرة وبقوة وأدت بك إلى ما أنت عليه. يقول المخرج لويس بونيول في سيرته: "غالبًا ما يمر طيف حياتي أمامي كأنها لحظة، ومع ذلك تبدو لي الحياة طويلة جدًا ويبدو الطفل الذي فعل هذا لا علاقة لي به!"
التطور الواعي أو اللاواعي للأحلام والرغبات يؤدي أخيرًا إلى تحديد سلوكنا، لكن: كيف نحتاج، وكيف نحلم؟ وهل أحلامنا الحالية نزيهة مع كل هذا الضغط التسويقي الهائل لجعلنا نشعر بالحاجة إلى شيء لسنا متأكدين منه.
بات الناس يقفزون في سلّم الإجراء الطبيعي (انتباه – اهتمام – قرار – إجراء) من الانتباه إلى الإجراء فورًا دون التأكد من أننا حقًا مهتمون لما يثير انتباهنا، وأننا على وعي بالإجراء الذي سنتخذه والقرار الذي سنُقدم عليه. الملاحظ أن الأحلام لم تعد تقتصر على الأشياء المادية بل تطرف الأمر إلى علاقتنا بذواتنا نتيجة الزخم المرتفع لكثافة ما يعرضه الآخرون عن قيمتهم الذاتية، ما يجعلنا نرغب بكيفية ما للتحقق من قيمة ذواتنا أيضًا.
هذا المعنى الذي نتوق له يجعلنا نتوهم أن بعض الحاجات هي ما يوصلنا لها، وبكيفية ما نتوه بداخل أنفسنا حتى نصل لحالة ديكارت حينما قال: "أعلم أني موجود، لكن ما هذه الأنا التي أعرفها!"
وجودنا يتحدد بالطريقة التي نتفاعل بها مع الوجود، ويبدو أن صراع الحاجات يتحول إلى صراع الهوية وأزمة وجودية. بل وقد يتطرف إلى حالة الفشل في تعريف الذات، حينما يفرط الإنسان في السعي خلف رغبة معينة أو محددة لأجل معنىً معين يريد الإنسان تحقيقه لنفسه بسبب الضغوط الخارجية التي تقاطعت مع ضغوط داخلية تؤدي كلها في المحصلة إلى تبدد الذات.
هل أنت سعيد عزيزي الإنسان؟ أم أنك فعلًا بكل ما حققت من معاني لم تجد ذاتك بعد، بل وإن سرديتك عن تاريخك الشخصي تفشل لأن هنالك عدة حلقات مفقودة من سلسلة تحقيق ذاتك التي تتوهم عبثًا أنك حققتها. لا نتملك هوية موحدة دون وعي، ولا وعي دون عقل، ولا عقل دون تلك الحزم المركبة والمعقدة من الأفكار والعواطف والذكريات والمشاعر التي لا يعرف أحد حتى الآن آلية معالجة الذهن لها. جون لوك يقول: "الإنسان كائن مفكر يكون على وعي بأنه نفسه!"
الاستمرارية النفسية تستلزم وتعتمد بشكل كبير على مدى اتساق السردية الذاتية، القدرة على معرفة التاريخ الذاتي والتعرف على السياق الذي نكون فيه بدقة.
أحلامنا ورغباتنا وآمالنا تحدد من نكون، كل ذلك يكون مثل البراغي التي تثبت السردية الذاتية وتربطها ببعضها.
لا يوجد إثبات لكوننا ذات الطفل الذي كناه يومًا دون هذا السيل المستمر من الذكريات، ودون هذا الإلحاح المستمر والمتراتب من الاحتياجات والرغبات والآمال.
قد يسهل بكيفية ما إثبات أن جثة في مشرحة مشفى أنها تكون لذات جسد الشخص الذي ولد فيه قبل سبعين عامًا، لكن لا أحد يعلم ما الذي تحول فيه، وكم مرة أُعيد فيه تشكّل ذاته نتيجة تشكل وعيه والسردية التي يعرفها عن نفسه والتي يعرفها عنه الآخرون.
الإحساس بالذات نعمة يجب علينا الاستمتاع بها. يقول لوبون: إذا كان ما لا يدركه العقل معجزة فكل كائن حي معجزة فريدة، كما يقول بأن الفرق بين العالم والجاهل هو معرفة النقطة التي يبدأ منها الغموض. والمحصلة الحقيقية للمعرفة هي اتساع مساحات الغموض التي ندركها.
أخيرًا: هل تتذكر عشرة أحلام وآمال من الطفولة؟

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: