"بينما أنت مشغول بوضع الخطط… للحياة خططها."
تقاعد زميلي في العمل بعد خدمة طويلة جداً في الشركة. أول ما لفت انتباهي أنه غادر مكتبه للمرة الأخيرة، وترك كوب الشاي الذي اعتاد شربه دون أن يُكمله؛ لم ينقص منه سوى القليل. مشهد بسيط، لكنه كافٍ ليذكّرك بأن للأشياء مسارها الخاص، بعيداً عن نوايانا وترتيباتنا.
ولستُ غريباً عن مثل هذه اللحظات. شاهدتُ إنساناً يخلع نعليه حين داهمته أزمة قلبية، قبل أن يسنده الجدار. وذات مرة، أثناء البحث عن مفقود، وجدناه وقد أشعل موقد الغاز، ووضع عليه قدراً، ثم مات قبل أن يطبخ شيئاً. النار كانت ما تزال مشتعلة.
هكذا يحتمل الناس بالآمال… وهكذا يرحلون بدونها.
أذكر أنني في المرحلة الثانوية كنتُ ذات مساء مع ذود الإبل، وكان هناك رجل في منتصف العقد السادس، لا يكاد يفارق مزرعته. رحّب بي، وأمسك بيدي، وبدأ يرسم مستقبله:
"هنا سأبني الغرف، هنا سأضع بترة عدّاد الكهرباء، هنا سأحفر البئر وسيكون الماء عذباً، هنا سنضع سنابل الذرة الرفيعة بعد حصدها لتجف… سأفعل، سأقوم."
في اليوم التالي، أخبرنا مدير المدرسة بوفاة والد أحد زملائنا… كان هو صاحب المزرعة.
هكذا تسير الحياة؛ تدفعك إلى التخطيط، وربما إلى التنفيذ، ثم تمضي كما كُتبت، لا كما تخيّلناها. أشياء مختلفة تماماً عمّا حسبناه بديهياً.
انخرطتُ في التخطيط مبكراً. قرأت كل ما قيل عنه تقريباً. وخلاصة التجربة أنني خططتُ لأشياء كثيرة، لكنني حققتُ أشياء أخرى لا علاقة لها بخططي الأصلية.
هناك جانب مسكوت عنه في التخطيط:
حدّد هدفك بوضوح، اعمل بما تيسّر لك من أسباب، وكن يقظاً للفرص. فهي لا تأتي في صورة أهداف، بل في هيئة أحداث جانبية، عابرة، إن التقطتها تغيّر مسارك بالكامل.
ومن الجيد أن تمتلك الخطط، ومن الأفضل ألا يعرف بها أحد. من الجيد أن تُكتب، لا أن تُقال. ومن الجيد ألا تعلن إنجازك ولا طموحك. احتفظ بجدّيتك لنفسك، وحاول أن تُظهر اللامبالاة قدر الممكن.
يقول هنري ميلر: "الجاد شخص منحوس"، وأنا أميل إلى تصديقه.
تعلّم الارتجال. تصوّر أن العام الجديد معركة؛ لا يشترط أن تخرج منها منتصراً، يكفي أن تخرج منها حيّاً، بخبرة، بقصة.
لا بقائمة أهداف.
الحياة ليست رحلة تبضّع من متجر تموينات، الحياة عبور شاق نحو الضفة الأخرى.
هذا كل شيء.
وسنة سعيدة للجميع.

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: