"من لا تقاضى حيٌّ.. يقمح ليا مات!"
حينما تتأمل قصة النبي يوسف عليه السلام، وخصوصاً وصف الله لحاله النفسية: "فأسرّها يوسف في نفسه"، ستمرّ بها مروراً عابراً ما لم تعرف مرارتها. عندها ستدرك أن الحدث ليس هامشياً، وأن ذكره في السياق لجللٍ، لأن الإسرار في النفس مرارةٌ خفيّةٌ لا تُرى.
ذات الأمر حينما تتتبّع سير الملوك، فيقال إن أقدر الناس على تقليب جمر الغضب والغيظ في قلوبهم هم الملوك. أما الصديق نيتشه، الذي أصّل في أصل الأخلاق وفصّلها، فكاد أن يجعل الفارق الوحيد بين السادة والعبيد هو القدرة على كظم الغيظ وتأخير ردة الفعل. وحدها الحرية تُقاس بامتلاك الإرادة للفعل، لا بالفعل ذاته.
أما ما يُروى عن أبي جعفر المنصور وأخيه عبد الله، قبل أن يصير "عبد الله السفّاح"، فيُروى أنهما حينما كانا طفلين قال أبو جعفر لأخيه، يوصيه بكظم الغيظ وعدم إظهار الغضب، لأنه ــ بحسب وصفه ــ "أذهبُ للحيلة!"، وكأن الحيلة لا تسكن إلا عقلاً بارداً.
أما في الجانب الآخر، فلا تظن أن محبتك أو كراهيتك لشخصٍ أغضبك، أو تقاطعتم في طرق الحياة وتصادمتم، بأن غضبك وحبك وكرهك لأحدهم سيتحول إلى صواعق وفيضانات تنتقم لك ممن آذاك. تحت الأرض ملايين الأشخاص ممن ماتوا بغيظهم، دون أن ينتصروا لأنفسهم.
لهذا يعزّي تولستوي من امتلأت صدورهم غيظاً وغضباً وعجزاً، "بأن هنالك يوماً نقف فيه متساويين أمام الرب!"، لا غالب هناك ولا مغلوب، بل ميزانٌ واحدٌ للجميع.
كما أن من لا يمتلك حيلةً، فأفضل حيلةٍ قد يمتلكها هي الصبر. لا بوصفه فضيلةً، بل بوصفه ذكاءً. سنّة الله الثابتة، وكل نواميسها، تؤكد أن عاقبته جميلةً، وجميلةً جداً. هذا شيء.
أما الشيء الآخر، فهو أن الصبر يفعّل خلايا العقل، ويرفع من الحساسية العصبية، فتصبح ترى الأمور على حقائقها، مجردةً وواضحةً بشكلٍ لا لبس فيه. ومن يرى الأمور بوضوحٍ لا يخطئ.
أما الثالث، فالصبر يُزجي الوقت، والوقت كفيلٌ بحل أعقد العقد، لا لأنه عادل، بل لأنه كاشفٌ. ويُروى أن ملكاً من ملوك الصين أحضر حكيماً لينقش له خاتماً: لا يراه محزونٌ إلا ويفرح، ولا متكبرٌ إلا ويتواضع. فكر الحكيم ملياً، ثم كتب: هذا الوقت سيمرّ!

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: