(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!
الاغتراب النفسي، التحولات
الشخصية، الصراعات الداخلية، عواصف المفاهيم، دفق المعلومات، الآمال والخيبات،
القيود والقدرات، الماضي والمستقبل، كلها أشياء تجاذبنا كضباع تنهش جسد فريسة
بريئة. لا أحد يعرف كيف اكتسب الآمال، ولا أحد يعرف من أين تأتيه الخيبات التي
تطفئ بهجته بتأمل الآمال الجميلة، لكننا وكل يوم حصيلة الأيام التي تلوكنا بين
فكيها، كما يقول الصديق شوبنهاور: الحياة عناء، والخلاص حالة عارضة.
دخلت إلى عوالم طاهر الزهراني
عبر «الصندقة»، وقرأت «نحو الجنوب» للمرة الأولى في سبيل تعرفي إلى أعماله. ومضت
السنين، وشعرت بسحنة كآبة غامرة شعرت بحرارتها في روحي، وذلك لشدة توقي للعودة إلى
القرية. كنت أتذكر فقط من رواية «نحو الجنوب» خروج زهران الغاضب والمفاجئ من
القرية، وكان المشهد حاضرًا بقوة في بديهتي، ما جعلني أعيد القراءة.
نشأت نشأة مزدوجة بين جدة وبين
الجنوب، تمامًا في نفس المكان الذي تدور فيه أحداث رواية «نحو الجنوب»، وهذا أحد
الأسباب التي جعلتني أعيد القراءة. درست في مدارس البغدادية ومدارس الشعراء. أنا
في حالة دائمة ومستمرة من رفض العيش في المدن، لا أحب مطرها الذي لا أستفيد منه
إلا التهابات التنفس، وتلوث الهواء المحمّل ببقايا المطاط المتفحم الممزوج
بالأتربة، ولا أحب زحامها، ولا الدوار الميتافيزيقي الذي تصيبني به كل الوجوه
الغريبة التي أراها، خصوصًا وأني مصاب بحمى التفرّس في تفاصيل الآخرين: شكل
الحواجب، والشوارب، والأصابع، والأجساد، والشعور، ولون أدمة البشرة، واللكنات،
واللهجات، واللغات. على عكس القرية، أعرف جيدًا رائحة هوائها، أحب مطرها لأنه
سيسيل إلى مزارعنا التي تمتلك أسماء تخصها، مرورًا بمحدودية الوجوه التي تعبر بنا.
حينما يصلي عابر في مسجد القرية يستجوبه الجميع ليعرفوا من يكون، ومن يكونون أهله،
ومن يكونون أنسابه، ومن أين أتى وإلى أين سيذهب.
في القرية نمتلك الصلة بالماضي
والمستقبل، ونراقب جيدًا خط الزمن الذي نسير عليه، على عكس المدن حيث يختفي هذا
الخط وبالكاد نعرفه. أنا ضجر على الدوام من المدينة، وأتمنى أن أبقى ضجرًا على
الدوام منها، لأني أكره أن أتصالح مع ما أكره. كل هذه عوامل تُلحّ فيّ الرغبة في
قراءة «نحو الجنوب»، لعلي أجد فعلًا العزاء، ولعلي أرضى، ولعل رضاي يعيدني إلى
القرية. لطالما عرفت بأنه (لا يُرفع قضاء إلا بعد الرضا به!). العفو يأتي بعد
الإقرار بالجرم، وأنا لا أعرف جرمًا ورطني مع المدينة بخلاف التخصص الذي اخترته في
الجامعة لكي أبقى في القرية، وهنا المفارقة!
مفارقة أخرى حدثت معي وهي أنه
وبالصدفة شاهدت فيلم «طعام، صلاة، حب» المأخوذ عن رواية بنفس العنوان، وبدأت
المفاهيم تتشابك فيّ. زهران في مقتبل العمر، مفعم بالطاقة، ضجر وصدامي، ولديه مشاكل
واضحة بجلاء في تعريف الذات، وكل الربكة الوجودية التي كانت تعصف به. شخصية ليز في
«طعام، صلاة، حب» على العكس تمامًا في منتصف العمر: مصدومة، محبطة، مكتئبة، تمر في
صدام حقيقي يتعلق بتعريفها للوجود.
العملان كانا يتقاطعان ويتفارقان
في نقاط كثيرة، لكن الأهم أن كليهما رحلة نحو الذات؛ الأولى تنتهي بالتصالح معها،
والثانية تنتهي بتشكّل شخصية تمتلك مفاهيم جديدة مع الوجود.
أما التقاطعات فهي الخلفية
الثقافية والمادية للعملين: في الأول نتشابه، وأما الثاني فيستحيل أن نكون. محال
أن يتمكن شخص كحالتنا أن يغترب لعام كامل دون وجود قاعدة مادية ممتازة تسمح له
باستئجار منازل ومخالطة أشخاص من خلفيات ولغات مختلفة. أما العودة إلى القرية فهي
عمل في غاية اليسر. سكان القرى يشبهون شخصيات رواية طاهر بكل ما يحتملونه من تناقض
وغرابة ومعرفة وحكمة، بل وغباء أحيانًا، وكل ما يمتلكونه من قناعات متفاوتة يعلنون
عنها بثقة.
الغريب الذي حدث معي هو أنني
أحببت وتقبلت نهاية رحلة زهران أكثر: النهاية الصلبة، تراكم الضجر والغضب، الاستمرار
في إنكار تحوّل الحياة، حتى الإقفار عودةً إلى المكان الذي نُفي منه مع كل الندوب
التي امتلكها.
نهاية تستسلم لفكرة مرور الوقت
وانهيار الأشياء على ذاتها. زهران حينما ألف الأشياء وأحبها كانت تؤول إلى خسارة.
حينما ألف القرية وطبيعتها دخلتها أعمدة الكهرباء التي ستجعل كل شيء إلى شيء آخر،
كأنما تكون الكهرباء الحقيقة التي تجعل الأشياء تظهر على حقيقتها. حتى حسناء
العقلة التي كان يشارك رفاق القرية التهكم بسيرتها أصابها السرطان، وصارت مدعاة
للحزن والتعاطف. ودائمًا كما يقول زهران: (بعد القصص الجميلة تأتي المعاناة!). على
العكس من رواية «طعام، صلاة، حب»، على الرغم من صحتها نظريًا، لكن من المستحيل أن
ينبثق فجر جديد بمعزل عن الجذور. ليز عادت برؤية جديدة للحياة، وزهران قام بنبش
ندوبه وتأكيد عمقها حتى يتصالح مع هويته التي يتصل بها بالعالم.

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: