إمساك/إفلات!



منذ أن عرفت القرية، كان هنالك مسن جاوز عمره المئة عام، يملك حماراً أبيض، كل يوم في تمام الساعة الثالثة عصراً، في الصيف أو الشتاء، مهما كان الطقس، كان يرتحل حماره، ويذهب إلى مزرعة بَعليّة (تزرع فقط على مياه الأمطار) ذات مساحة جيدة اسمها (الغريبية)، لم يكن يعرف القراءة أو الكتابة، ولا يُعرف له أي وسيلة ترفيه أو أي نشاط اجتماعي باستثناء جلوسه عند (الغريبية) حتى تغرب الشمس، زوجته مسّنة كحاله، ولا يعيش معهم في المنزل أحد. كان يجلس على (عِراق) المزرعة ويتأمل التراب، فقط التراب! كأنما يكون راهب بوذي في إحدى شعائره.

طيلة عمري كنت وكان أغلب اقراني في القرية يعتقدون أنه يمتلك المزرعة، على الرغم مِن أنه كان يمتلك غيرها الكثير، والكثير جداً، أكثر من أي شخص آخر في القرية، لكن المفاجأة التي دوّت حينما عاد مغترب إلى القرية، وأخذ المسّن يتبرّم كثيراً حول نفسه وهو في حال انزعاج شديدة، لم نلبث كثيراً حتى ذاع الخبر في القرية، فلان (استعاد الغريبية) كان والد الوافد إلى القرية يمتلك المزرعة، واحتاج يوماً إلى (عشرة ريالات) ورهن (الغريبية) وبقيت مرهونة لمدة تزيد عن ستين عام!

ستين عام جعلت المسّن يقلل من حب كل ما ورثه عن أبيه ويفضّل الغريبية على كل شيء آخر في حياته، حتى أنه حينما أعاد المزرعة وفك الرهن لم يبقَ بينه وبين القرية صلة وهاجر مع ابنائه إلى المدينة ليموت بعد هجرته بفترة قصيرة!

 

العبرة من القصة تكمن في خطورة أن يتمحور معنى حياتنا حول أشياء لا نمتلكها، ولن نمتلكها. في القرآن كثيراً ما نمّر بالآية (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) لكن قليل من يتفّطن لها. ستترك كل شيء خلفك، وستعرف يقيناً وتدرك أنّ التخويل لا يعني الامتلاك، وأنك تُمنح الشيء لتستخدمه، وتُحاسب على طريقة الاستخدام وطبيعة علاقتك به، لكنك لن تمتلكه إطلاقاً وسيتعاد منك أو ينتقل التخويل إلى آخر غيرك، لا يوجد أحد خرج من الدنيا بشيء يحبه. حتى بعد الحساب إن صلح عملك قد تجتمع بأحبابك وابناءك وذريتك في الجنة، بعد الخلاص، وسيكون لكل واحدٍ منهم صفته المستقلة التي يحتمل مسؤوليتها، الأمر يعتمد عليهم أيضاً، ابناءك ليسوا لك، أمانه عندك، زوجتك، والديك، عملك، اخوانك، اصدقائك، كتبك، ممتلكاتك، كل شيء تتوهم أنه لك، ليس لك. مهما تمسكت بالأشياء ستفلتها، وبقدر قوة تعلقك وتمسكك بها سيكون ألم الإفلات أقوى.

 

خلاصة الأمر: عامل نفسك بشكل جيد، حتى هي أمانة لديك، وعامل كذلك كل الأشياء التي تجدها في حياتك من هذا المبدأ، وايضاً، احرص على ألا تجعل حياتك تتمحور حول امتلاكك الأشياء، بل يجب أن تتمحور حول سلوكك معها وطبيعة علاقتك بها، ويجب أن تكون على يقين تام .. أنك مهما تمسكت بالأشياء .. ستفلتها!

 

هذا كل شيء.

تعليقات