المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2026

ماذا يمكن أن تتعلّم من اليأس؟

صورة
نقرأ دائماً بأنّ اليأس إحدى الراحتين، واليأس ببساطة هو انتهاء جميع الحلول الممكنة لتحقيق نتيجةٍ مطلوبةٍ. لكن ما هي الراحة الأخرى؟ الأمل مثلاً؟ لأنّ الأمل واليأس قطبان لجوهرٍ واحدٍ، تقابلهما القدرة والإرادة. كم من شخصٍ يمتلك القدرة ولكن تعوزه الإرادة، وكم من مريدٍ تعوزه القدرة وتحول بينه وبين كل ما يريد. يعلّمنا اليأس ترويض الذات، ماذا لو امتلكنا القدرة على الحصول على كل ما نريد؟ ستفقد الحياة بهجتها. كيف سنتوق للخلاص إذا لم نعرف المعاناة؟ اليأس يمكننا من صياغة توقعاتنا وأهدافنا بشكلٍ أفضل، ويجعلنا نتحقق من جوهر ما جُبلت أنفسنا للسعي إليه. وبالمختصر المفيد، يمكن القول إنّ جوهر كل سعيٍ في حقيقته هو الشعور بالسلام، فقط السلام. ولا أظنّ الإنسان وحده هو الكائن الوحيد الذي يسعى نحو السلام، السلام هو العيش بأكبر قدرٍ ممكنٍ من اللذة، ودفع أكبر قدرٍ ممكنٍ من الكدر. هذا التوازن بين اللذة والكدر هو السلام، أن تتوازن محصلة القوى التي تتجاذب حيواتنا. أخيراً، الحياة ليست شقيةً في ذاتها، بل نحن من نجعلها كذلك بأفكارنا عنها. للحياة طريقتها في قبض الثمن، لكل ما نحصل عليه فيها له قيمة؛ قيمة النجاح هي الت...

"من لا تقاضى حيٌّ.. يقمح ليا مات!"

صورة
  حينما تتأمل قصة النبي يوسف عليه السلام، وخصوصاً وصف الله لحاله النفسية: "فأسرّها يوسف في نفسه"، ستمرّ بها مروراً عابراً ما لم تعرف مرارتها. عندها ستدرك أن الحدث ليس هامشياً، وأن ذكره في السياق لجللٍ، لأن الإسرار في النفس مرارةٌ خفيّةٌ لا تُرى. ذات الأمر حينما تتتبّع سير الملوك، فيقال إن أقدر الناس على تقليب جمر الغضب والغيظ في قلوبهم هم الملوك. أما الصديق نيتشه، الذي أصّل في أصل الأخلاق وفصّلها، فكاد أن يجعل الفارق الوحيد بين السادة والعبيد هو القدرة على كظم الغيظ وتأخير ردة الفعل. وحدها الحرية تُقاس بامتلاك الإرادة للفعل، لا بالفعل ذاته. أما ما يُروى عن أبي جعفر المنصور وأخيه عبد الله، قبل أن يصير "عبد الله السفّاح"، فيُروى أنهما حينما كانا طفلين قال أبو جعفر لأخيه، يوصيه بكظم الغيظ وعدم إظهار الغضب، لأنه ــ بحسب وصفه ــ "أذهبُ للحيلة!"، وكأن الحيلة لا تسكن إلا عقلاً بارداً. أما في الجانب الآخر، فلا تظن أن محبتك أو كراهيتك لشخصٍ أغضبك، أو تقاطعتم في طرق الحياة وتصادمتم، بأن غضبك وحبك وكرهك لأحدهم سيتحول إلى صواعق وفيضانات تنتقم لك ممن آذاك. تحت الأرض مل...

"بينما أنت مشغول بوضع الخطط… للحياة خططها."

صورة
  تقاعد زميلي في العمل بعد خدمة طويلة جداً في الشركة. أول ما لفت انتباهي أنه غادر مكتبه للمرة الأخيرة، وترك كوب الشاي الذي اعتاد شربه دون أن يُكمله؛ لم ينقص منه سوى القليل. مشهد بسيط، لكنه كافٍ ليذكّرك بأن للأشياء مسارها الخاص، بعيداً عن نوايانا وترتيباتنا. ولستُ غريباً عن مثل هذه اللحظات. شاهدتُ إنساناً يخلع نعليه حين داهمته أزمة قلبية، قبل أن يسنده الجدار. وذات مرة، أثناء البحث عن مفقود، وجدناه وقد أشعل موقد الغاز، ووضع عليه قدراً، ثم مات قبل أن يطبخ شيئاً. النار كانت ما تزال مشتعلة. هكذا يحتمل الناس بالآمال… وهكذا يرحلون بدونها. أذكر أنني في المرحلة الثانوية كنتُ ذات مساء مع ذود الإبل، وكان هناك رجل في منتصف العقد السادس، لا يكاد يفارق مزرعته. رحّب بي، وأمسك بيدي، وبدأ يرسم مستقبله: "هنا سأبني الغرف، هنا سأضع بترة عدّاد الكهرباء، هنا سأحفر البئر وسيكون الماء عذباً، هنا سنضع سنابل الذرة الرفيعة بعد حصدها لتجف… سأفعل، سأقوم." في اليوم التالي، أخبرنا مدير المدرسة بوفاة والد أحد زملائنا… كان هو صاحب المزرعة. هكذا تسير الحياة؛ تدفعك إلى التخطيط، وربما إلى التنفيذ، ثم تمضي كما ك...