المشاركات

اللؤم… وما أدراك ما اللؤم!

صورة
  كنتُ، لسنواتٍ سبقت دخولي الجامعة، أرى رجلًا مسنًّا تحت وهج الشمس يجابه وعثاء الطريق، لا لشيءٍ إلا ليُوصل إحدى بناته إلى الجامعة. لم يكن من ذوي السعة، ولم أكن أعرف تفاصيل ما يثقل كاهله، لكن ملامحه كانت تقول ما لا يُقال؛ تعبٌ قديم، وصبرٌ طويل، وآمال معلّقة على الغد. كان له أبناءٌ ذكور، غير أنهم كانوا صغارًا، متأخرين عن أن يكونوا له عونًا. فكان يمضي وحده، يحمل مسؤوليته كما يحمل الإنسان ظلّه: لا يراه أحد، لكن هذا العناء لا يفارقه. تخرجت ابنته، وتوظفت. وتغيّر المشهد، أو هكذا ظنّ. فرح الرجل، لا بالوظيفة وحدها، بل بما وراءها: سندٌ يُخفف ضغط الحياة، ويدٌ تمتد حين تشتد الأيام. كما يقول الناس: "يهزّ به الزحمة". وذات يوم، احتاج مبلغًا يسيرًا يُعينه على يومه. لم يطلبه طلب مستجدي، ولا على سبيل دين، بل طلبه كما يطلب الشريك من شريكه؛ بقدرٍ من الألفة، وبشيءٍ من الحقّ المشترك في همّ الحياة. فجاءه الردّ قاسيًا، لا في مقداره، بل في معناه. ضاعفت ابنته المبلغ عشرين مرة، ثم وضعته بين يديه وقالت: "هذا حق تعبك معي… ولا عاد تطلبني." في تلك اللحظة، لم يكن المال هو ما سقط من يده، بل شيء...

لماذا يتوجب عليك الاطلاع على أعمال جيامباتيستا فيكو وميشيل دي مونتين؟

صورة
  التأسيس شيء، والبناء شيء آخر تمامًا. فالمعرفة الإنسانية لا تُفهم إلا بوصفها تراكمًا تاريخيًا؛ تبدأ بالأبجدية قبل أن تصبح لغة، وبالأدوات قبل أن تصبح فنًا، وبالمفاهيم قبل أن ترتقي إلى نظريات. لا يمكن أن تفهم شيئًا ما لم تدرك المفاهيم التي سبقت بناء الفرضيات، التي تمهّد لفهم النظريات، قبل أن تصبح الأشياء أقرب إلى مسلّمات علمية لا يكاد يعتريها الشك. هناك من امتلك السبق في حقول الكتابة، وامتلك أدواتها الكافية لكي يرصد ويُلخّص فهمه للمفاهيم التي كان يفكر بها معاصروه. المرء، حينما يفهم، يتسامح مع فجاجة الآراء والحقائق. المعرفة عملية صعبة؛ المعارف التي تنتج تؤلم، ولا يمكن الشعور تجاهها بالراحة، وغالبًا ما تزعزع مالكها الجديد قبل أن يتصالح معها. من هنا، تكتسب قراءة أعمال فيكو ومونتين ضرورتها؛ فالأول يسير بك عبر التاريخ ليفكك نشأة الأفكار، بينما يعيدك الثاني إلى ذاتك لتختبر كيف تتشكل هذه الأفكار في الوعي. مع فيكو يبدو العالم وكأنه ينتظم في خط، لكنه في العمق يدور في دورات تعيد إنتاج نفسها، أما مونتين فلا يمنحك طريقًا، بل يضعك في قلب التجربة ذاتها. المعرفة عند الاثنين ليست راحة، بل زعزعة...

ترويض الواقع / سياسة الواقع المُعاش!

صورة
    انتهى رمضان، موسم تكون فيه نفوسنا أكثر صفاءً ونقاء. فكما يقال: "البطنة تذهب الفطنة." عملياتنا الفكرية ليست سوى تفاعلات كيميائية تنتج عما تختمره أمعاؤنا. سبق وقرأت في أحد كتب علم النفس أن الانحرافات الفكرية تؤثر على كيمياء الدماغ، وكيمياء الدماغ تؤثر على العمليات الفكرية، والعوام يقولون: ما تأكله يأكلك، المصاب باضطراب فكري يأكل بطريقة سيئة ومن يأكل بطريقة سيئة ستضطرب أفكاره! على غير العادة هذا العام، أصابني إلى حد ما خوف مضاف من الزحام، بالإضافة إلى زيادة كرهي له، وكل ذلك بسبب الحادث المروري الذي صار لي في رمضان. خرجت هذا العام أيضاً من رمضان بغير قائمة أهداف كما كنت أفعل كل عام، والسبب الذي غيرني سأذكره تباعاً. قابلت أصدقائي في رمضان وفي العيد، هنالك لقاء سنوي غير مخطط (بالتياسير) لمجموعة أصدقاء الكلية وأصدقاء الثانوية، نضحك فيه ضحكاً قديماً، ونتفاخر فيه بما أنجزناه، ونشكي لبعضنا التغيرات الصحية التي طرأت علينا. بدأت إجازتي في آخر يوم قبل العيد، واتجهت فوراً إلى القرية، حيث لا زحام ولا ضجيج، وحيث يمكنني أن أشرّع النوافذ للهواء كي أستنشقَه بمطلق الحرية، وحيث لا أ...

هل تعرف قصص الندوب التي تحملها؟

صورة
  يقول طاهر الزهراني في إحدى قصصه القصيرة جدًا: «يعرف كلَّ قصص الندوب التي في جسده، لكنه نسي كيف بُترت يده!» تذكّرتُ هذه القصة أثناء جلسة سهر باذخة مع أبناء القرية، الجميع يعرف قصص الندوب التي يحملها، ويعرف كيف نشأت. الندوب شيءٌ يتعلّق بالماضي، وهي على خلاف الشامات أو الوحمات التي كان العرب قبل الإسلام يتفرّسون بها المستقبل، وكانت إحدى أشهر علوم العيافة لديهم، ولكن مع الشفاهة فُقدت بالكامل كل طُرق هذا العلم، ولم يبقَ إلا خبرها. نحن ورثنا جيلًا كانت حياتهم عبارة عن عِراكات يومية، كان لا يمضي اليوم دون جولة مصارعة واحدة على الأقل، ولأتفه الأسباب؛ عدم ردّ السلام منها، عدم حبس الأغنام أثناء عبور قطيع أغنام آخر منها، صراع مفتعل بين جملين، يتطوّر عادةً إلى صراع بين مُلّاك الجملين، لأن أحدهم قرّر أن يعصب مع جمله الذي كاد أن يُهزم، أو حتى صراع من أجل أولوية السقاية عند الآبار. حتى النساء كنّ يُنشئن جيلًا شديد الشراسة؛ كانت المرأة، حينما يُهزم طفلها، تهدّده أولًا بقطع ثديها الذي أرضعت منه طفلها، إن لم يعد ويغلب الطفل الذي غلبه، وتذهب معه إلى الطفل وتقف متفرّجة لتشهد العراك، حتى تمنع أ...

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

صورة
  منذ البارحة تتردد في ذهني هذه الجملة بلا سبب ظاهر: "من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!" وهي للعالم الفرنسي غوستاف لوبون، ذلك المفكر الذي جمع بين رصانة اللغة، وسعة الاطلاع، وقدرة تحليلية وتفكيكية نادرة. حتى إنني كثيراً ما أميل إلى ترجيح آرائه في بعض المسائل على آراء سيغموند فرويد، خصوصاً في الجوانب التأسيسية والأفكار التي لم تمسّها التأويلات الثقيلة بعد. كان لوبون يرى أن الذات الإنسانية ليست وحدة صلبة، بل هي خليط من عناصر متنافرة تتجاذب الإنسان في كل لحظة؛ عناصر من الطباع والوراثة والبيئة والخلفية المعرفية وغيرها. وكل عنصر منها يسعى إلى فرض حضوره بحسب قوته في اللحظة المعاشة. ولهذا فإن الإنسان لا يكشف عن طبعه الأقوى إلا في موقف حاسم أو حادثة فاصلة. وشواهد هذا المعنى كثيرة. فـالحجاج بن يوسف الثقفي مثلاً، تُروى عنه قصة الصفعة التي تلقاها في مكة، والتي يُقال إنها أيقظت في داخله نزعة القوة والبطش. وفي الأدب الشعبي نجد مثال قصة أبو زيد الهلالي حين نشّط فيه عِرق من طبعه فغيّر سلوكه في إحدى الغارات وجعلته ينكص على غير عادته. وحتى في الثقافة الحديثة، يمكن أن نرى هذا التحول في شخ...

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

صورة
العرب الأوائل لم يكن لديهم تعريف للثقافة؛ فالمصطلح نوعاً ما جديد. كان لديهم مصطلح العالِم/الأديب: العالِم شخص يغوص حتى أعمق نقطة في حقل معرفي واحد، بينما الأديب يسبح في كل الحقول ويختار منها الأجمل. التعاريف الحديثة للثقافة تقول إن المثقف شخص يعرف المعارف المتناقضة أو يملك معارف متناقضة عن الاشياء، ويعرف كيف يختار دربه الذي يخصه بينها؛ كائن يجيد فك الاشتباكات بين الأفكار للوصول إلى الضفة الأخرى الآمنة. بعيداً عن جاذبية الثقافة، وجاذبية الكتب، وكل الكلام الذي تقوله دور النشر أو المهوسون بالكتب واقتنائها ممن يمتلكون «أربع عيون»، هناك أشياء لا يقولها لك المثقفون، ولن يقولوها لك على الإطلاق عن الثقافة والتثقف. سأحاول جردها كالتالي: 1- إذا لم تكن على قدر الثقافة فلا تتثقف: الثقافة تملك نحسها الذي يخصها، ويكاد يكون الأقوى على الإطلاق. إذا قررت أن تتثقف، يجب أن تكون مستعداً لهذا. 2- الحياة تستلزم الحركة: الثقافة والعمل الثقافي قد يقتلانك. قد يتباطأ سير الدم في جسدك، وقد يتشوه شكل جسدك وعضلاتك لكثرة ممارسة الفعل الثقافي الجلوس والكتابة والحركة الدائمة المستمرة دون راحة. كثير من...

عن البيوت، نعيش فيها أم تعيش فينا!

صورة
  حينما أعود بذاكرتي للأعماق، وأنزِلُ إلى غورها، أعرف بأني أتذكر أول منزل عشت فيه على أطراف الربع الخالي جنوبًا. كنت أزجي الأرق حينما كنت طفلاً بإغلاق عيناي بقوة، حتى أصير أرى ما يشبه White Noise الذي يظهر على شاشات البث التناظري، وما يُقال إنه إشعاع الخلفية الكونية. لذلك، كلما أغمضت عيناي بقوة، تذكرت المنزل الأول:   كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَأْلَفُهُ الفَتى، وَحَنينُهُ أَبَداً لأَوَّلِ مَنزِلِ.   أتذكر نوافذ ذلك المنزل، شكل الشوارع خارجها، منظر الغروب من خلالها، ركضي العبثي في ذاك البيت، وأغلب التفاصيل الصغيرة والكبيرة. بالتأكيد، أغلبكم كحالي يتذكر تفاصيل كهذه. استجرار الذاكرة عمل عصيّ عن الوصف.   لا أخفيكم أنني أحيانًا أحاول الحصول على صور بالأقمار الصناعية لذلك المنزل، أحاول التطفل لأرى أيًا من التفاصيل اليومية للمكان عبر السناب شات، لكن لا أحد يُصور. ربما لا أحن إلى ذات المنزل، ربما أكون استجدي الحصول مجددًا على شعور لم أعشه في غير ذاك المكان، فبقي البوصلة والصلة التي تصلني به.   بيوت كثيرة لاحقًا مررت بها، أسقف كثيرة تأملتها جيدًا قبل أن...