الإحباط والخيبات: مشكلة حقيقية، أم حقيقة مشكلة نفشل في تعريفها؟
طوال الأسبوعين الماضيين كنتُ أمضي بجلادة
لمواجهة الأيام. لحظات كثيرة بدت أمامي كحوائط مغلقة لا مسلك لي معها، لكنني
بطريقة أو بأخرى أعرف كيف ألتفُّ على المشاكل حتى أُزجّي الأيام.
رفعتُ إجازة وتم رفضها، بالرغم من كل رصيدي
الذي أمتلكه من الإجازات، وتعثّر مزاجي لبرهة، قبل أن أدرك أن أزمتي في الحياة هي
الإجازات، وأزمة الإجازات أن أتجه نحو القرية، وأزمتي في القرية أن أُسند ظهري على
جذع أي سدرة من سدور مزارعنا. المسألة بسيطةٌ للغاية: أنا أنتمي لمكان، وأرفض
للغاية أن أنفصل عنه.
فور رفض الإجازة، وردني اتصال من شركة تريد
إدارة عقد لتشغيل وصيانة السدود، وسألوني إن كنت أملك خبرة هندسية كافية. وبعد
سجال هاتفي عن حياتي الهندسية السابقة، وحياتي المهنية الحالية كمطور أعمال يملك
سيرة ذاتية غريبة، أخبرتهم أنني لا أمانع قبول وظيفتهم، رغم أن مرتبها نصف مرتبي
الحالي، لكنني سأقبل فقط لأن الوظيفة ستكون في الباحة. أعرف أنهم ليسوا
بالجنون الكافي لقبولي، ولست بالجنون الكافي لأتنازل عن نصف مرتبي!
دمدمت لحظتها محاولًا تقليد صوت محمود درويش:
«ما الحقيقة؟»، واشتبكت في خاطري قصائده دون أن أعرف توقيتها، وأيها سبق وأيها
لحق، لكن المفارقة نوعًا ما مريبة. يقول في إحدى قصائده: «لن يفتح النعش المغطى
بالبنفسج كي يودعنا ويشكرنا، ويهمس بالحقيقة: ما الحقيقة؟ ربما هو، مثلنا، في هذه
الساعات يطوي ظلّه!»
وفي قصيدةٍ أخرى يقول: «الحقيقة شخصيةٌ في
القصيدة، لا هي ما هي، أو عكسها، إنها ما تقطّر من ظلّها!»
نحن ندور حول الخيبات، أو هكذا نعرّفها على
الأقل، دون أن نحاول ولو لمرةٍ أن نلغي كل افتراضاتنا الخاطئة، ونعيد البناء على
الافتراضات القابلة للتطبيق. بالتالي نسلك مسارات خاطئة فقط لأننا بنينا أملًا على
أساس افترضنا صحته. لكن بحسب تعبيرات ألبير كامو، لا يستطيع العيش من يفشل في
مواجهة صمت العالم، وكما رأى أن العالم لا يسمح بأي أمل، فعلينا أن نتعرّف على
الدوام إلى كل ما هو معنا وضدنا. فما يعذّبنا، بوجهة نظره، ليس الأسئلة بقدر ما هو
غياب الإجابات.
الأصل في موقفنا الوجودي هو عدم الفهم. الخوف
من الحقيقة يسبب حالةً من رهاب الحرية والسعادة. كان سيغموند فرويد يدعو إلى الحد
الأدنى من فهم ألغاز العالم، كأن الفهم، بطريقةٍ ما، عائقٌ يحول بيننا وبين الحرية
والسعادة!
الدوافع، والكبت، والرقابة الذاتية، والأماني
والآمال، والتسويات والتنازلات والحلول الوسطى، ليست إلا ألغازًا تُلقى في روعنا،
ولن نفهم كنهها مهما بذلنا من جهد.
الفكرة تسبق تأويل الشعور: تحدث أولًا الأفكار، ثم يأتي الشعور واللغة ليؤطّراه ويمنحاه شكلًا وألمًا.
الخيبة ليست مشكلةً لغويةً بذاتها، بل تجربة وجودية نعجز أحيانًا عن تسميتها بدقة. الإدراك يصنع الانفعال، والانفعال يعيد تشكيل الإدراك.
الإحباط ليس دائمًا نتيجة خسارة، بل
نتيجة اصطدام صورة متوقعة بصورة واقعة.
المهم أنني تجاوزت إحباطي. سأحصل في وقتٍ ما
على إجازةٍ تشبع جوعي، وتروي عطشي إلى الصفاء والسكون، وستؤول الأمور إلى خير.
هذا كل شيء ...

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: