المشاركات

عرض المشاركات من 2026

"الأعمار ما يُرجى لهن رجوع" عن القرى والاحتمالات... وأشياء أخرى!

صورة
  أثناء عودتي من الإجازة إلى جدة، وتحديداً على مفرق مركز الشواق في الساحل، شاهدت حداداً اسمه آدم يعمل في القرية عائداً من إجازته إلى القرية. وجه قديم ومألوف للغاية في القرية، لا يزال يعمل فيها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، يعرف الجميع ويعرفه الجميع.   كان يواجه لفح الشمس برشاقة، ولا أظنه يستجر الذكريات كما أفعل. يعرف أغلب أهل القرية، الأحياء والأموات ممن أدركهم. حضر تقريباً أغلب الزواجات؛ لأنه كان ينصب الأعمدة الحديدية التي تُعلّق عليها عقود الإنارات الصفراء.   شاهدته يكابد الاحتمالات كلما مرت به سيارة ولم تتوقف له، كان ينظر إليها حتى تغيب، لعله كان يتوقع أن تتوقف له أو تعود إليه، ولعله كان يحاول تخمين من يكون أصحاب السيارات العابرة.   الحياة صارت في غاية السوء منذ أن بات البشر يتنبؤون بكل شيء، وليت التنبؤات تصدق! هنالك تنبؤات بالأمطار، وتنبؤات اقتصادية، وتحليلات سياسية، وفي كل مكان تقريباً تجد التوقعات والتنبؤات.   وفي أمر التنبؤات والنبوءات الكثير من السعة للحديث؛ فالنبوءات السيئة تقع، والحسنة لا تحدث إلا فيما ندر. صراع الإنسان الأساسي، وسبب معانات...

تموضع!

صورة
  منذ قرابة أسبوعين لم أحاول إكراه نفسي على القراءة أو الكتابة، مررت بثلاثة كتب متتالية بعناوين براقة للغاية، لكنها في النهاية لم تكن أكثر من أفكار عادية تمت صياغتها بثقة عالية. يدهشني دائمًا كيف يستطيع البعض منح أفكارهم هالة الاكتشاف العظيم، بينما الفارق الحقيقي أحيانًا ليس العمق، بل الجرأة على التقديم، والثقة الكافية لإقناع الآخرين بأن ما يُقال استثنائي. ننضج حين نتوقف عن استنكار الأشياء. هنالك مرحلة نصاب فيها بحمى الفضول، نستغرب كل شيء، نرفض، نستنكر، ونستهجن، ثم مع الوقت نصل إلى قناعة مختلفة؛ أن الغريب ليس الاستثناء، بل الأصل نفسه. وأن الألفة مجرد اعتياد طويل على غرابة مستمرة. وهذا ربما ما يجعل الحياة سلسلة لا تنتهي من الصراع مع المعنى، ومع الذات، ومع الآخرين أيضًا. لم أتوقف عن التأمل، ولا أظنني سأفعل، لكنني وصلت إلى حالة من الاكتفاء المؤقت. شاهدت من الأفلام ما يكفي، وقرأت من الكتب ما يكفي، وتحدثت بما يكفي، واستمعت كذلك بما يكفي. حتى الضجيج الفكري نفسه يفقد بريقه حين يفيض عن حاجته. الآن يمكنني أن أسمح لنفسي بالدهشة مجددًا، لا بدهشة الباحث المتوتر عن معنى، بل بدهشة شخص يج...

مِن الآخر .. يعني!

صورة
    كنت ألعب الشطرنج مع أطفالي. ابني الأكبر يلعب باحتراف، هادئ جداً، لا يحتفل، لا يصرخ، ويتصرف وكأنه رجل أعمال يدير صفقة لا مباراة. أما ابني الذي يليه فعكسه تماماً؛ يحتفل قبل أن ينتصر، يهدد، يرعد ويزبد، ويتهم الجميع بالتآمر إذا خسر، وإذا فاز أعاد الحديث عن انتصاره حتى يوشك أن يقنعني أنه هزم "كاسباروف" نفسه! المفارقة العجيبة أنني أهزم الأول بسهولة، بينما الثاني رغم فوضويته وبساطة أسلوبه يدخلني أحياناً في حالة (كش ملك) بحصان تائه أو فيل جاء من زاوية لا تُحسب. أعرف السر؛ طفلي الأول يهابني ويحترمني أكثر مما ينبغي، والثاني لا يمنحني هذه الهالة إطلاقاً، ويدخل اللعب وكأنني مجرد خصم عادي يمكن إسقاطه. وهنا كانت فرصة جيده لأشرح لهما شيئاً مهماً: الاحترام الزائد لا يصنع أخلاقاً فقط، بل يصنع تردداً أيضاً. بعض الناس لا يخسرون لأن خصومهم أقوى، بل لأنهم أقنعوا أنفسهم بذلك قبل البداية. هذا لا يعني أن تحتقر الناس، لكن أثناء المنافسة تحديداً، إذا لم تُسقط شيئاً من رهبة الآخر داخلك فلن تستطيع مجاراته؛ فالهيبة الزائدة تشلّ، أما الجرأة فتعطي العقل مساحة ليرى الفرص. أذكر قصة قديمة من القرى...

أطفال السبيل / العشق يحب الصدف.

صورة
  بدأتُ إجازتي يوم الخميس.. وكأن الكون كله قد تآمر ضدي ليكسر بهجتي بهذه الإجازة المنتزعة؛ الحقِّ المُنتزع لموظفٍ متفانٍ للغاية. هذه المرة، رتّبتُ كل شيء؛ أنهيتُ المهام، وأرسلتُ بريداً إلكترونياً حاسماً لجميع الأقسام أُخبرهم فيه بغيابي، وأرسم لهم بوضوح الطريقة التي ستنتهي بها العمليات المعلقة. في السابق، كنتُ أتساهل، أعمل في إجازتي وأتقبل تلقي الاتصالات، لكني اليوم.. محترق تماماً، وبحاجةٍ حقيقية للراحة. وكرفيقةٍ لهذه العزلة، اصطحبتُ معي الطبعة الجديدة من رواية "أطفال السبيل" لطاهر الزهراني الصادرة من دار رشم. لن أستفيض في الثناء على الأسلوب المتميز للغاية في هذا العمل مقارنةً بباقي نتاج طاهر الزهراني، فالحقيقة أننا حين نحب شيئاً، نُقلّص تلقائياً من أهمية الأشياء الأخرى! بالمختصر؛ تتحرك الرواية بين منظورين عميقين: ·         منظور غرابٍ أعصم بريشة بيضاء: يُحلق فوق أحياء جدة القديمة، يتأمل الحياة الراكضة تحته مثلما يتأمل تاريخه الخاص كغراب. ·         منظور طلال: الفتى اليتيم الذي يقع في حب "قمر" الفتاة...

انكشاف الفراغ: نيتشه وإرادة القوة وسؤال المعنى!

صورة
في توطئة كتاب إرادة القوة، يلمّح نيتشه إلى أن بعض الأشياء العظيمة، إذا عجزنا عن التعبير عنها، فإن الصمت يكون أليق بها؛ لأن الكلام لا يُنصفها، إما هيبةً منها، أو لأن اللغة، مهما اتسعت، تظل أضيق من أن تحمل ثقلها. وإذا اضطررنا إلى الحديث عنها، وجب أن يكون ذلك بتعظيم، لا بمعنى التقديس، بل بمعنى الاعتراف بعمقها ووطأة حضورها.   أختلف مع نيتشه أكثر مما أتفق معه، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه امتلك قدرة فذّة على الحفر في أعماق الفكر، حيث تتكون الأفكار قبل أن تصير عقائد ومسلّمات، وحيث تنشأ القيم قبل أن تتحول إلى قوانين. نيتشه لم يكن دائمًا مصيبًا، بل كثيرًا ما أخطأ في النتائج، لكنه كان بارعًا في تشخيص المرض، حتى حين أخطأ وصف العلاج. وميزته الكبرى أنه زرع البذور؛ بذور الأسئلة الكبرى، لا الأجوبة النهائية. ولهذا نعود إليه دائمًا: لا لنأخذ منه الحقيقة، بل لنستعيد عبر نصوصه وأفكاره نقطة البداية حين نتوه في الطرق.   حين يقول إن التناقض قد وقع بين العالم الذي نعرفه والعالم الذي نبجّله، فهو لا يتحدث عن أزمة معرفة، بل عن أزمة معنى. الإنسان يعيش في عالم يصنعه بيديه، لكنه يحنّ إلى عالم ...

الإحباط والخيبات: مشكلة حقيقية، أم حقيقة مشكلة نفشل في تعريفها؟

صورة
  طوال الأسبوعين الماضيين كنتُ أمضي بجلادة لمواجهة الأيام. لحظات كثيرة بدت أمامي كحوائط مغلقة لا مسلك لي معها، لكنني بطريقة أو بأخرى أعرف كيف ألتفُّ على المشاكل حتى أُزجّي الأيام.   رفعتُ إجازة وتم رفضها، بالرغم من كل رصيدي الذي أمتلكه من الإجازات، وتعثّر مزاجي لبرهة، قبل أن أدرك أن أزمتي في الحياة هي الإجازات، وأزمة الإجازات أن أتجه نحو القرية، وأزمتي في القرية أن أُسند ظهري على جذع أي سدرة من سدور مزارعنا. المسألة بسيطةٌ للغاية: أنا أنتمي لمكان، وأرفض للغاية أن أنفصل عنه.   فور رفض الإجازة، وردني اتصال من شركة تريد إدارة عقد لتشغيل وصيانة السدود، وسألوني إن كنت أملك خبرة هندسية كافية. وبعد سجال هاتفي عن حياتي الهندسية السابقة، وحياتي المهنية الحالية كمطور أعمال يملك سيرة ذاتية غريبة، أخبرتهم أنني لا أمانع قبول وظيفتهم، رغم أن مرتبها نصف مرتبي الحالي، لكنني سأقبل فقط لأن الوظيفة ستكون في الباحة. أعرف أنهم ليسوا بالجنون الكافي لقبولي، ولست بالجنون الكافي لأتنازل عن نصف مرتبي!   دمدمت لحظتها محاولًا تقليد صوت محمود درويش: «ما الحقيقة؟»، واشتبكت في خاطري قصائده دون أن ...

الجمال، امتدادٌ أصيلٌ لحياتنا الآخرة!

صورة
    أتذكّر امرأةً مسنّةً عمياء، أُصيبت بالعمى في فترةٍ مبكرةٍ من عمرها، كانت تُقدّس الذهب، وتتزيّن بالحُليّ في المناسبات، وتحبّ الملابس المزركشة، وتسأل عن ألوانها، وتتحسّس ملمسها، وكانت تحبّ أن تخضّب يديها بالحنّاء. ليست هي الوحيدة التي كانت تهتمّ بجمالها؛ فأحد المسنّين كان أرملًا وطاعنًا في السن، ويعيش وحيدًا، لكنه كان أنيقًا، ويتفاخر بـ(نزاهته/نظافته)، وله رائحةٌ تشبه رائحة الأطفال، وأسنانُه ناصعةُ البياض، ورائحةُ رأسه وثيابه رائحةٌ منعشة؛ لأنه يضع في جيوبه، وتحت عمامته، المسك والريحان والبِرك والكادي إن تيسّر له.   لا يقتصر الأمر على المسنّين، بل حتى الأطفال أيضًا؛ إذ أراقب الحسّ الجمالي عند الأطفال، وطريقة تنظيمهم للأشياء، واختيارهم لملابسهم، وأحرص شخصيًا على تدريب أطفالي على الإعلان عن تفضيلاتهم الجمالية، وتحفيز استقلالية أذواقهم. وبالإمكان أيضًا رؤية هذا الحسّ عند الأكشاك والأسواق؛ تأمّل أوجه الآخرين، باختلاف خلفياتهم وعرقياتهم وأحوالهم المادية، حينما يختارون ملابسهم أو عطورهم وأشياءهم، فبالتأكيد لديهم تصوّراتهم وخيالاتهم الخاصة عن هيئاتهم حينما يختبرون الأش...

"الكاتب إنسان مريض" المبدعون عمومًا!

صورة
  تعرفتُ إلى عوالم رنا قباني من خلال عملها البديع "أساطير أوربا عن الشرق!". ومن شدة إعجابي بالعمل بدأت أبحث في سيرتها وأبحث عن لقاءاتها، وكانت في أحد اللقاءات مع محمد رضا نصر الله قالت حكمها الذي في العنوان بين القوسين. وأنا أعي وأتفق تمامًا مع ما قالت. عوالم الكُتّاب والمبدعين عوالم مرضية، دعكم من المظاهر الخارجية، واستمعوا لما يقولونه هم عن أنفسهم. سفر الدغيلبي يقول في إحدى قصائده: "أربع سنين أجحد غرابيل الأتعاس!". صدقوني، لا يوجد شخص يحب أن يكون مثيرًا للشفقة، لكن الإبداع لا يتمخض عن حالة طبيعية للعقل، ولو حدث ووجدت مبدعًا سعيدًا فعليك أن تتحسس مسدسك، فقد تجد نفسك أمام دعيّ أو منتحل، أو شخص ساعدته الظروف لكي يوحي للآخرين بالإبداع، بينما هو ليس كذلك! كم عدد مشاهير المبدعين من رواد أعمال وكُتّاب وفنانين وسياسيين وغيرهم ممن لازمتهم أزمات عقلية ونوبات سوداوية وحالات صرع: نابليون بونابرت، يوليوس قيصر، نبوخذ نصر، فرجينيا وولف، ليو تولستوي، وفيودور دوستويفسكي... إلخ. ستجد القائمة طويلة للغاية. نسيتُ أيّ فقهاء الصوفية الذي قال في إحدى تعليمات السلوك: "لا خلوة ...

كيف يمكن أن يشكل الذكاء إهانةً للآخرين!

صورة
  أحد الأصدقاء يستمع لأي شيء تقريباً، الموسيقى التصويرية للأفلام أو الإعلانات التجارية، أغاني عربية أو غربية أو هندية أو فارسية، شخص يعرف ما يريده سمعه، فينسجم مرةً مع الإيقاع، ومرةً مع اللحن، ومرةً مع الكلمات، المهم أنه يعرف كيف ينسجم مع أي شيء ! ذات مرةً خرجت معه وكان يستمع لأغنية عرفت لاحقاً أنها لفنان عراقي اسمه قاسم السلطان، واسم الأغنية (حرامات) أغنية تراجيدية ليست لافتة في ذاتها ولكن ما استوقفني وجعلني أتذكرها جملة وردت فيها (غيري وياك كان أشطر!) لتجعلني هذه الجملة أفكّر في الشطارة والشُطّار . الذكاء هِبة عصيّة عن التبرير، النبوغ، الدهاء، العبقرية، هنالك ذكاء عادي قد تجده لدى الشخص البسيط حينما تتأمل طريقة عمله، وهنالك ذكاء ألمعي صاعق، يجعلك تشعر بالشفقة على نفسك . في الأفلام مثلاً تتكرر جملة (توجد متعة في اكتشاف الخدعة، لكن توجد متعة مضاعفة في خِداع المخادع!) هنالك أشخاص يفهمون الفكرة وهي (طايرة) لكن هنالك أشخاص يفهمونها (قبل أن تطير!) السفسطائيين يقولون بأن الحق للأقوى، أو الحق يكمن في القوة. وعند فيكو على ما أظن؛ يقول بأن الضعيف يريد القوانين حتى تحميه من سطوة...