لا جديد تحت الشمس!
فقدان
الإحساس بالزمن أحد أبرز دلالات الاضطرابات الذهانية، لكن هذه الفكرة تحتاج إلى
مراجعة في هذا العصر. فاليوم توجد آلاف الأشياء المصممة خصيصًا لسرقة انتباهنا من
أنفسنا، وربما تكفي مؤشرات استخدام الهاتف، أو حتى عدد ساعات القيادة، لتبرهن على
ذلك.
كلفة
غياب إدراك مرور الوقت ليست ضياع الوقت فحسب، بل غياب الوعي بالذات أيضًا. وما
أبعد من يظن أنه يملك زمام السيطرة على الأشياء من أن يكون فعلًا كذلك. زحام الطرق
يسلب شيئًا منك، واستخدام الهاتف يفعل الأمر نفسه، وحتى التجول طويلًا في السوق
بحثًا عن متجر بعينه. في النهاية قد تختار شيئًا لا تحبه لأنك متعب، أو تدفع سعرًا
لا يعجبك لأنك لا تريد أن تعيد الجولة من جديد. ستفعل أشياء لا تجزم أنها تشبهك
فعلًا، ولا تعرف على وجه الدقة لماذا فعلتها، ولا أظنك ستعرف يومًا.
في
كتاب "الاعترافات" ينسب تولستوي عبارة "لا جديد تحت الشمس"
إلى النبي سليمان. ولست متأكدًا من صحة النسبة، لكن الفكرة نفسها تبدو متسقة مع
صورة الرجل كما ترد في الروايات؛ فقد أوتي من أسباب الملك والعلم ما جعل أخبار
الدنيا تأتيه من كل صوب. لم يكن يعلم الغيب، لكنه كان يعرف عن أحوال الواقع ما
يكفي لأن يفقد دهشته مما يتكرر تحت الشمس.
غياب
الدهشة شيء، والعجز عن الشعور بها شيء آخر تمامًا. أن تغيب الدهشة يعني أنك مطالب
بإصلاح العلاقة بين حواسك ووعيك، أما ألا تشعر بها أصلًا، فهذه علامة تستحق التوقف
عندها والوعي بأسبابها. لذلك، وخيرًا لك أيها الإنسان، أن تسمح لنفسك بالاندهاش؛
أن تراقب التفاصيل الصغيرة، وألا تستبق أحكامك على البراهين، وألا تفرط في مقاومة
الأشياء بالنقد قبل أن تمنحها فرصة لتكشف عن نفسها.
نحن
مطالبون بالارتقاء بذائقتنا. صحيح أن ذائقة هذا العصر متردية نسبيًا، لكن ذلك لا
يعني أن الأشياء الجميلة قد اختفت. ما زالت موجودة، لكنها تحتاج إلى ذهن حاضر،
وحواس أقل استعجالًا في تذوق الأشياء، ونفس أكثر استعدادًا للدهشة.
منذ
انقضاء الحج لم أتعرف إلى أشياء جديدة، لكنني، ومع ذاكرتي المتردية، قررت أن أتعرف
من جديد إلى ما أعرفه. لذلك جعلت قراءاتي في هذه الفترة للأعمال الكلاسيكية
الكبرى: "كليلة ودمنة" لابن المقفع، لأنني أحب حكاية محاكمة الضبع،
و"كتاب الأنواء" لابن قتيبة صاحب "عيون الأخبار"، ثم ما كُتب
عن طبقات الأمم، وكان من أكثرها لفتًا لانتباهي كتاب جرجي زيدان. أما المسلسلات،
فأعيد مشاهدة "The
Sopranos"،
لأنني أجد متعة في قصص الصراع، وكيف تلتقي الدوافع المختلفة لتقود البشر إلى
المصير نفسه.
ولا
أستطيع إخفاء اندهاشي بالثلاثة الأولين؛ يكتبون بطريقة لافتة للغاية. وبغض النظر
عن السياق الذي تطورت فيه قصص "كليلة ودمنة" وشخصياته، وكم احتاجت من
السنين حتى تتراكم بكل هذا التركيز من الحكمة والمعرفة، فإن ابن المقفع يلفتني
بذكائه الحاد، الظاهر في السرد كما في الترجمة والصياغة. كان رجلًا براغماتيًا إلى
حد بعيد، لكنه انتهى نهاية مؤسفة، ربما لأنه لم ينجح في إقامة علاقة متوازنة بين
إمكانياته وواقعه. والمفارقة أنه عاش في الزمن نفسه الذي عاش فيه الخليل بن أحمد،
صاحب "كتاب العين"؛ ورغم اضطرابات عصرهما، انتهى أحدهما مقتولًا بصورة
بشعة، بينما مات الآخر ميتة هادئة.
أما
ابن قتيبة وجرجي زيدان، فاللافت عندهما كثرة الاستشهادات في زمن لا توجد فيه أدوات
البحث التي نعرفها اليوم. تميز جرجي زيدان بأنه جمع صورًا ووثائق يستدل بها على ما
يذكره، وقدم معلومات عن أماكن متفرقة من العالم، بينما جمع ابن قتيبة شوارد الشعر
والرجز والنثر بطريقة يصعب تصور مقدار الجهد الذي احتاجه ذلك، حتى وإن ناقض نفسه
في بعض مؤلفاته الأخرى. وليس هؤلاء وحدهم؛ فجيمس فريزر في "الغصن الذهبي"
فعل أكثر منهم جميعًا تقريبًا، لكن بمنهجية علمية مختلفة.
وأكثر
ما يلفتني، وأنا أقرأ "كتاب الأنواء"، أنني أتذكر أحاديث العوام عن
المواسم والفصول، فأجد بينهما تطابقًا عجيبًا. كنت أسمع مثلًا أن المطر إذا نزل في
البطين ندر أن ينزل في الثريا، ثم وقفت على شاهد يورده ابن قتيبة يؤيد هذا المعنى
بالحرف. يبدو أن الذاكرة الجمعية للبشر أكثر اتساعًا واتصالاً مما نظن، وأن كثيرًا
مما نحسبه مجرد موروث شفهي عابر يمتد بجذوره إلى قرون بعيدة، منقولًا جيلًا عن جيل
دون أن ندري بالضبط متى بدأ، ولا كم من الدهشات الصغيرة اختزنها في طريقه إلينا.
وربما
لهذا السبب بالذات لا أسمح لنفسي هذه الأيام بالتورط في أشياء كثيرة؛ فما أبحث عنه
في هذه القراءات هو النموذج نفسه الذي وجدته في كلام العوام عن المطر والنجوم:
انتباه هادئ لتفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تحمل في داخلها اتصالًا بشيء أعمق وأبعد زمنًا.
فأكتفي بالقراءة، وباللعب مع أبنائي. تعلمت بنتي نقلات الشطرنج الخاصة سريعًا،
واكتشفت شيئًا مبهجًا؛ أن الألعاب التنافسية التي يشترك فيها الكبار مع الصغار
ترفع ثقة الأطفال بأنفسهم بسرعة لافتة. وربما كانت هذه، في النهاية، واحدة من
الدهشات الصغيرة التي لا ينبغي أن نفقد قدرتنا على ملاحظتها والانتباه لها.
أخيرًا:
من اعتاد كل شيء قد تصبح أحكامه أدق وأكثر هدوءًا، لكنه يخسر تلك القدرة الجميلة
على أن يندهش. وهذه، وإن بدت في ظاهرها خسارة صغيرة، إلا أنها في حقيقتها خسارة
لطريقة كاملة في إدراك العالم؛ فالدهشة ليست ترفًا عابرًا، بل هي الحاسة التي
تُبقي وعينا يقظًا لما يمر بنا، وهي نعمة تستحق أن نحافظ عليها بقدر ما نحافظ على
قدرتنا على التفكير.
هذا
كل شيء ...

أن الدهشة ليست في الجديد بالضرورة، بل في عمق النظر إلى القديم. القراءة بحثًا عن معرفة تختلف عن القراءة بحثًا عن دهشة، والثانية أندر وأثمن.
ردحذف