المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2026

كُلُّنا قابيل، لكنّ الميت هذه المرة ليس هابيل!

صورة
  لعلك شاهدت فيلم Sentimental Value ، فخواكيم ترير مبدعٌ في التقاط تفاصيل إنسانية تستلزم حساسية عالية تجاهها. هنالك لقطة تظهر فيها (نورا) بعدما عرفت بأنّ أباها يعتزم بيع المنزل الذي عاشت فيه سعيدة مع عائلتها، فتقف بجمود، تُحملق في الجدران ويسرح نظرها فيها. لا يوجد إنسان لا يعزّ عليه فراق شيء، حتى ولو كان يكرهه. هنالك مدن خرجنا منها ونحن ننظر إلى الوراء، وفي صدورنا شعور موغل بحالة من التحسّر على أشياء لم نفهمها بعد. نحن نغادر الأشياء، لكنها لا تغادرنا. في كل مرة نعيد فيها ترتيب مسارح حياتنا الشخصية ومتاحفها، نواجه صعوبة بالغة في التخلي عن التالف. وفي كل مرة نقف فيها أمام الملابس القديمة وملاءات الفرش القديمة، نجد الشعور نفسه. دخلنا إلى الحياة بصراع حاد بين يقين ورغبة؛ اليقين بأنّنا لن نخرج منها بشيء، والرغبة في ألّا نتخلى عن شيء. ولا يتوقف الأمر هاهنا، فحتى مع الأشخاص الذين تغيّرت بهم الدنيا وتقادم بهم الزمن، تبقى الذاكرة رحيمة بنا: فرغم الهبة العظيمة التي وُهبناها حتى لا نختزن كل الصور التي عرفناها للأشخاص، تحفظ لنا خاصية إزاحة الذاكرة آخر صورة للوجوه التي نراها. وإلا كيف س...

مقاومة معلنة للعبور نحو العالم الآخر!

صورة
في آخر الوادي العظيم الذي استحال إلى أكبر مقبرة معروفة في المنطقة، تقع قلعة حراسة عظيمة اسمها "الطرف"، كامل القلعة ترتكز في شاكلتها على حجر صغير للغاية لا يتجاوز حجمه حجم كرة قدم، بجوار قلعة أخرى اسمها "المشيّد" بجدر مُشوّك بالحجارة. كانت القلعة كما تثبت كل الشواهد البصرية بأنها كانت سجنًا، وأن ذلك التشويك كان لمنع الآخرين من تسلّق الحصن لإخراج الأسرى، ولمنع الأسرى من الخروج من السجن. هنالك نقوش في أعالي الجدران على ارتفاعات شاهقة تثبت أنه كان هنالك قرية عظيمة، لكن الأجيال المتعاقبة قامت بتفكيك المنازل الحجرية حتى تبني لأنفسها منازلها الخاصة. كان يعرف كل سكان القرى المجاورة لوادي المقبرة العظيم الذي يتجاوز طوله الثلاثة أميال الموعد الذي يزفر فيه صاحب القبر الوحيد على "قَزَعة مريم" تلك الهضبة الصخرية الصغيرة التي يقع فوقها قبر وحيد، لا أحد يعرف من هي مريم التي سميت تلك الهضبة باسمها، ولا أحد يعرف من يكون صاحب القبر الذي يزفر منتصف الليل من الثاني والعشرين من أغسطس كل عام! يوم الثاني والعشرين من كل عام هو اليوم الذي بات يكرهه كل السكان المحليين، لقد هجروا ال...

على قَدَر ...

صورة
  قبل ما يزيد عن عشرة أعوام، في إحدى المدن، وفي في شقة أصدقائي، كان الجو مفعمًا بحماسة لا تشبه شيئًا سوى فورة حماقات العمر الأولى. سهرنا حتى أغلقت مكاتب تأجير السيارات أبوابها، فقرر صديقي أن يتغيب عن عمله ويرافقني في الصباح. كان آخر عهدي به قبل أن نلتقي بسنة "غشيمًا" على نحو لا يوصف، لكنه حين حلّ بتلك المدينة تحوّل إلى "شوماخر"، يمشّط شعره اليابس الذي يشبه مارادونا، ويرتدي طقمه الرياضي البرتقالي بمطاطيات على الأكمام وكأنه سيذهب بي إلى سباق، لا إلى مقابلة.   حين وصلنا إلى المصنع الذي تقررت فيه مقابلتي بدأت الغرابة. مدير العمليات الذي سأقابله كان شخصية عجائبية، كان من ضمن الاجتماع الطويل الذي أُجبرنا على الانتظار للاستماع له من خلف الزجاج الشفاف، فقرة يسخر فيها من مدير الأمن والسلامة، الذي كان رجلًا مسنًا ضعيف الشخصية، كان يطالبه بتصميم بدلات سلامة جديدة للموظفين، ثم يأمره بالصعود على طاولة الاجتماعات والسير عليها أمام قرابة الثلاثين موظفًا، يطالبه بالدوران والسير فوق طاولة الاجتماعات تمامًا كعارضة أزياء ليعلقوا على التصميم الجديد. بقيت أنتظر ثماني ساعات كاملة، وص...