على قَدَر ...

 


قبل ما يزيد عن عشرة أعوام، في إحدى المدن، وفي في شقة أصدقائي، كان الجو مفعمًا بحماسة لا تشبه شيئًا سوى فورة حماقات العمر الأولى. سهرنا حتى أغلقت مكاتب تأجير السيارات أبوابها، فقرر صديقي أن يتغيب عن عمله ويرافقني في الصباح. كان آخر عهدي به قبل أن نلتقي بسنة "غشيمًا" على نحو لا يوصف، لكنه حين حلّ بتلك المدينة تحوّل إلى "شوماخر"، يمشّط شعره اليابس الذي يشبه مارادونا، ويرتدي طقمه الرياضي البرتقالي بمطاطيات على الأكمام وكأنه سيذهب بي إلى سباق، لا إلى مقابلة.

 

حين وصلنا إلى المصنع الذي تقررت فيه مقابلتي بدأت الغرابة. مدير العمليات الذي سأقابله كان شخصية عجائبية، كان من ضمن الاجتماع الطويل الذي أُجبرنا على الانتظار للاستماع له من خلف الزجاج الشفاف، فقرة يسخر فيها من مدير الأمن والسلامة، الذي كان رجلًا مسنًا ضعيف الشخصية، كان يطالبه بتصميم بدلات سلامة جديدة للموظفين، ثم يأمره بالصعود على طاولة الاجتماعات والسير عليها أمام قرابة الثلاثين موظفًا، يطالبه بالدوران والسير فوق طاولة الاجتماعات تمامًا كعارضة أزياء ليعلقوا على التصميم الجديد. بقيت أنتظر ثماني ساعات كاملة، وصديقي بجانبي، صامتًا بعد أن انتهت كل "السوالف" حتى صار مشهده كسجين غوانتنامو، وكأنني محاميه أو سجّانه.

 

دخلت المقابلة لساعة أخرى، كانت الأسئلة فيها لا ترتبط بالقطاع بصلة، أسئلة نظرية للغاية وموغلة في عمق التخصص، ثم قُبلت في الوظيفة فورًا، وسارت الحياة بعدها على نحو لم أتوقعه إطلاقًا.

 

المفارقة التي علّمتني إياها تلك الرحلة، كل الحساب الذي يسبق اللحظة لا يشبه ما يقع فيها ولا بعدها، وكل القرارات تترابط على نحو لن نعرف كنهه المطلق، ولن نعرفه، يشعر الإنسان البدائي داخلنا بمفترق الطرق لكنه لا يميزها، كان الإنسان البدائي بداخلي يصرخ رفضًا لما سأقدم عليه.

 

ذهب معي صديقي إلى المقابلة لأننا كدحنا بصبر عظيم في فصول الدراسة وكان يريد التأكد من أنّ ذاك الجهد سيثمر، علاوة على الشيمة التي يمتلكها في رأسه. هنالك مغامرات أكاديمية جميلة يعيشها طالب الجامعة، خصوصًا لحظات التحديات، المعضلات العلمية التي يواجهها، وكذلك الحيرة والشك والإحباط، حياة الجامعة جميلة، لأنها تصنع الإنسان، وفيها يظهر على معدنه الأصلي تمامًا دون رتوش، هذا الصديق كان من خيرة من عرفت.

 

لن أسرد طويلًا، في تلك الوظيفة اختلفت في آخر يوم عمل لي مع أول شخص احتفى بي لأنه كان سفيهًا على نحو صادم، ويعتاش على النميمة، وانكشف لي بالكامل في آخر يوم عمل، وندمت بعد سنين من علاقة ممتدة بدأتها أثناء عملي فيها لأنني افتتحت حديثًا بسذاجة مع شخص منطوٍ على ذاته، كان معتوهًا على نحو لا يصدّق، وكانت انطوائيته ناتجة عن مرض، وليس كما كان يعتقد عن نفسه بأن الشخصيات القيادية عليها افتعال واحتمال العزلة الناتجة عن التفرّد!

 

تأكد لي كما في كل مرة أن الحياة تسير على نحو مخالف تمامًا لما رتّبناه لها وتوقعناه منها. كان من الواجب أن أعيش اللحظة ونقيضها على الدوام، أو ألا أفرط في التدقيق، وأن أتعلم كيف أوازن بين القلق الناتج عن العلاقة العاصفة بين العقل والقلب، وبين الإدراك والحدس. لربما لم يخب أملي من تلك التجربة، لكني لا أزال أتعلم منها بعد، رغم طيّ صفحتها من واقعي!

 

حينما استعيد التجربة أتذكر ما كتب ميلان كونديرا في "خفة الكائن التي لا تُحتمل"، وهي الرواية الأقرب إلى قلبي، أنه لا وسيلة للتحقق من صواب أي قرار، لأنه لا سبيل للمقارنة، كل شيء نعيشه دفعة واحدة، مرة واحدة، دون تجربة سابقة، كالوقوف على خشبة مسرح لم نتدرّب عليه من قبل. وباولو كويلو، في "الخيميائي"، يضع على لسان العجوز الحكيم، وهو يقلّب كتابًا ضخمًا يلمسه لأول مرة، أن أغلب الكتب تتحدث عن الشيء ذاته، عجز الناس عن اختيار مصائرهم، أو عن الاطمئنان إليها حين تُختار لهم. يحمل الناس اعتقادًا يكاد يبلغ اليقين بأنهم ضحية خديعة كبرى حين يفقدون السيطرة على حياتهم، فيُحمّلون القدر مسؤولية الفوضى التي يعيشونها.

 

الإنسان كائن مسكون بالسياق، لا يسكنه. السياقات المختلفة تتفاعل في داخلنا حتى نصير ما نحن عليه، ونظل في حالة مستمرة من المساومات الداخلية بين التسامح والتجاوز، بين القبول والرفض، حتى يفوتنا أن نترك أنفسنا، ولو للحظة، في حالة من الحياد والنظر في مختلف المواقف بموضوعية ننفصل فيها عن ذواتنا وما تحتمله من ثقل.

 

لا أحد يقبل قدره كما هو. أغلبنا يجزع نحوه، يلوم نفسه، يظن ظنًا يكاد يبلغ به اليقين أن نقلة أخرى كانت كفيلة بأن تُسقط الشاه. قلة قليلة من تعترف بالهزيمة، وأقل منها من يعترف بالخسارة، والأكثرون يشعرون دومًا أن هنالك خطأ ما لا يعرفونه ويتيهون في دروب الحياة سعيًا إلى فهمه، والحقيقة أنه لا سبيل للفهم، وعلينا التجاوز والسماح للتجربة بترك أثرها على القالب الذي يغلف أرواحنا ولا نزال نعيش به.

 

نحن، كمسلمين، نملك الاستخارة، حلًا نبويًا بالغ الدقة لمواجهة الندم وأثره. لو طُبّقت بحضور القلب، وطبقناها على الدوام، لاكتسبنا منها مهارة رفيعة في اتخاذ القرار حين تكتمل البيانات لدينا، أو حين ينعدم اليقين ويصعب الجزم بأي الطرق أصوب وأفضل.

 

وفي سياق الحديث عن السياقات وحينما كنت أراجع متحف ذكرياتي، تعلّمت أن أتسامح مع الأنماط التي كنت أنفر منها، أولئك الذين يسعون للفت الانتباه والشعور بالأهمية، بابتساماتهم المصطنعة وأسلوبهم المتملق في استمالة الآخرين. لم أعد أكرههم. بتُّ أتفهمهم. وتعلّمت أيضًا أن أنظر إلى الجهة المغايرة تمامًا للجهة التي أريد وأرغب النظر فيها وأترقب أملي منها، كما أني صرت أكثر تسامحًا مع خروج الأمور عن السيطرة.

 

ثماني ساعات انتظرتها يومًا. ثماني ساعات، ولم أكن أعرف أن القدر يُصاغ فيها، أو بمعنى أصح أُصاغ وأسبك فيها أنا.

 

وهكذا يأتي كل شيء، بلا حساب وبطريقة مغايرة لما نتوقع، على قدر.

 

هذا كل شيء ...

تعليقات

  1. حفظك الرحمن بحفظه ويسّر لك الخير من حيث لاتحتسب، وسخّر لك عباده وبلاده، وبارك في عمرك وعملك وأهلك.. آمين

    ردحذف

إرسال تعليق

التعليق:

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

انكشاف الفراغ: نيتشه وإرادة القوة وسؤال المعنى!