مقاومة معلنة للعبور نحو العالم الآخر!
في آخر الوادي العظيم الذي استحال إلى أكبر مقبرة معروفة في المنطقة، تقع قلعة حراسة عظيمة اسمها "الطرف"، كامل القلعة ترتكز في شاكلتها على حجر صغير للغاية لا يتجاوز حجمه حجم كرة قدم، بجوار قلعة أخرى اسمها "المشيّد" بجدر مُشوّك بالحجارة. كانت القلعة كما تثبت كل الشواهد البصرية بأنها كانت سجنًا، وأن ذلك التشويك كان لمنع الآخرين من تسلّق الحصن لإخراج الأسرى، ولمنع الأسرى من الخروج من السجن. هنالك نقوش في أعالي الجدران على ارتفاعات شاهقة تثبت أنه كان هنالك قرية عظيمة، لكن الأجيال المتعاقبة قامت بتفكيك المنازل الحجرية حتى تبني لأنفسها منازلها الخاصة.
كان يعرف كل سكان القرى المجاورة لوادي المقبرة العظيم الذي يتجاوز طوله الثلاثة أميال الموعد الذي يزفر فيه صاحب القبر الوحيد على "قَزَعة مريم" تلك الهضبة الصخرية الصغيرة التي يقع فوقها قبر وحيد، لا أحد يعرف من هي مريم التي سميت تلك الهضبة باسمها، ولا أحد يعرف من يكون صاحب القبر الذي يزفر منتصف الليل من الثاني والعشرين من أغسطس كل عام!
يوم الثاني والعشرين من كل عام هو اليوم الذي بات يكرهه كل السكان المحليين، لقد هجروا القرية لأن الأحداث لا تنتهي، ولم يعد لدى أحد الجرأة الكافية للذهاب نحو القبر وسؤال صاحبه "من الذي ظلمك وماهي المظلمة!" حتى يسكت ويطمئن!
يعرف جميع سكان الوادي هذا الموعد جيدًا، إنها ليلة حافلة للغاية بالأحداث، كل أحداثها ثابته منذ زمن بعيد، يعصف "السبار" لأيام بالوادي حتى يتحول النهار إلى ليل، ويرى جميع سكان القرية في ساحة "الطرف" تلك السيدة النحيلة التي تخرج بسراجها المضيء قبل الفجر لتكنس الساحة، الجميع يرعي سمعه ليرى هل يتغير ما تقوله كل عام "أنا جايه" قبل أن يسكت صوت بكاء الرضيع، ثم تُسمع الصرخة المدوية التي تصمّ الأسماع، قبل أن تخرج من شرفة القلعة "الهامة" البيضاء الكبيرة التي يترقّبها سكان المنطقة ليعرفوا على أي سطح من أسطح المنازل ستقع، قبل أن تطير ليُعلن النعي في منزل آخر!
كل شيء في هذا الوادي يفصح عن نفسه، تقع الهامة على سطح منزل، ويعلن العزاء في منزل آخر، ويتكشّف للجميع أن هنالك ثأرًا قديمًا بين المنزلين تحققت له العدالة الإلهية، وكانت كل الأحداث شواهد مفضوحة.
في كل عام في الثاني والعشرين من أغسطس يختبئ الأطفال تحت أجنحة أمهاتهم، وكل عام في الثاني والعشرين من أغسطس يشحذ الرجال هممهم ويتحدون بعضهم أيهم يملك الشجاعة لسؤال صاحب القبر "من ظلمك، وماهي مظلمتك!" لكن حينما يبدأ صاحب القبر بالزفير المزمجر مثل الأسد يرتعب الجميع ولا تحتمل أحدهم قدميه للوقوف في مكانه أو التحرك خطوة واحدة نحو الأمام!
يقول وهو على فراش الموت آخر المسنين الذين سمعوا صوت الزفير ورأوا بأعينهم السيدة الوحيدة التي تكنس الساحة في ليلة السبار في الثاني والعشرين من أغسطس بأنه وُلد وترعرع بعيدًا عن الوادي عند أخواله، ونشأ في قرية أخرى تبعد ما يزيد عن المائة ميل، تعمّد والداه إخفاءه عن الهامة البيضاء وعن صوت زمجرة صاحب القبر وعن صرخة السيدة التي تكنس الساحة، بأنه عاد إلى القرية هربًا من الكوليرا التي فتكت بأخواله، لقد وصل القرية في الحادي والعشرين من أغسطس، وأودعه التعب إلى النوم عند باب قلعة "الطرف"، لقد نام كطفل من شدة التعب!
حينما تناصف الليل، أفاق من نومه والسيدة التي تكنس ساحتها كل عام في الثاني والعشرين من أغسطس تقف عند رأسه وتحمل "سَلبَه وسلاحه"، كانت امرأة مليحة، حادة الملامح، حسنة الرائحة، بعظام وجنتين شديدتا البروز، وجلد يميل للصفرة، قالت له "من أنت! جيت تقتلني كما زوجي!" يقول بأن لسانه انعقد عن الجواب، قبل أن ينقلب إلى جانبه، ليرى الصِّل الأسود يلدغ طفلها الرضيع الموضوع على "سهوة" صغيرة في ركن منزلها، ليصرخ فيها "الأسّود!" قبل أن تصرخ هي صرختها المدوية. هرع إليها، ولم يجدها أو يجد الصبي.
أخذ "سَلبَه وسلاحه" وذهب إلى منزل عائلته، كان الوافد الذي تترقبه العيون وهو يسير ليلًا نحو منزل أهله. بعد تلك الليلة لم يزفر صاحب القبر، لم تخرج الهامة البيضاء لتحلق قبل الفجر، وهطل في ليلتها مطرٌ غزير غسل أشجار السلم التي قاومت صيفًا مرهقًا، ليعلن وصول "سهيل".
فهمت السيدة المجهولة سبب وفاة طفلها، لكن حتى الآن لم يُعرف من تكون، ومن يكون صاحب القبر، وماهي مظلمته، ومن ظلمه، ولم يُعرف بعد إن بقيت هنالك ثارات أخرى لم تُنجز بعد. يقول المسن وهو على فراش الموت بأنه الآن مضت مائة عام، لم يزفر فيها صاحب القبر، لم تخرج السيدة لتكنس ساحة الطرف، لم تحلّق الهامة ليعقب تحليقها الموت، ولم يعد أحد يتذكر كل ذلك!

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: