كُلُّنا قابيل، لكنّ الميت هذه المرة ليس هابيل!




 

لعلك شاهدت فيلم Sentimental Value، فخواكيم ترير مبدعٌ في التقاط تفاصيل إنسانية تستلزم حساسية عالية تجاهها. هنالك لقطة تظهر فيها (نورا) بعدما عرفت بأنّ أباها يعتزم بيع المنزل الذي عاشت فيه سعيدة مع عائلتها، فتقف بجمود، تُحملق في الجدران ويسرح نظرها فيها.

لا يوجد إنسان لا يعزّ عليه فراق شيء، حتى ولو كان يكرهه. هنالك مدن خرجنا منها ونحن ننظر إلى الوراء، وفي صدورنا شعور موغل بحالة من التحسّر على أشياء لم نفهمها بعد. نحن نغادر الأشياء، لكنها لا تغادرنا.

في كل مرة نعيد فيها ترتيب مسارح حياتنا الشخصية ومتاحفها، نواجه صعوبة بالغة في التخلي عن التالف. وفي كل مرة نقف فيها أمام الملابس القديمة وملاءات الفرش القديمة، نجد الشعور نفسه.

دخلنا إلى الحياة بصراع حاد بين يقين ورغبة؛ اليقين بأنّنا لن نخرج منها بشيء، والرغبة في ألّا نتخلى عن شيء.

ولا يتوقف الأمر هاهنا، فحتى مع الأشخاص الذين تغيّرت بهم الدنيا وتقادم بهم الزمن، تبقى الذاكرة رحيمة بنا: فرغم الهبة العظيمة التي وُهبناها حتى لا نختزن كل الصور التي عرفناها للأشخاص، تحفظ لنا خاصية إزاحة الذاكرة آخر صورة للوجوه التي نراها. وإلا كيف سنعامل أبناءنا بحزم لأنّ ملامحهم توحي بالقدرة على احتمال المسؤولية، لو كنا نتذكر أوجههم الباكية في جلسات التطعيمات، أو تلك اللحظات التي احتويناهم فيها في حالات ذعرهم حينما كانوا صغارًا؟ بل ماذا كنا لنتذكر من ملامح أحبائنا قبل أن يغزوها الشيب، وقبل أن يخط الزمن بخطه الواضح توقيع عبوره بملامحهم في وجناتهم وحوالي أعينهم!

حتى الانتقال من منزل إلى آخر، والزواج والطلاق والموت، كلها أشياء تترك أثرها في متحف الذاكرة. هنالك مرات يتغير فيها الرفاق، وهنالك مرات تكون فيها قلوبنا شاغرة، ولا رغبة فينا في احتمال آخرين مجددًا.

نحن نتجول بجنازات مشاعر وأفكار ماتت منذ أمد، لكنّ شيئًا فينا يرفض بقوة تصديق الفكرة. فلربما كان قابيل، حينما جال الأرض بجثة أخيه، يحمل أملًا غامضًا بأنّ ثمة طريقة أخرى لإعادة الحياة إلى أخيه. ولربما كانت هنالك طريقة فعلًا، لكن الغراب منحه حلًّا يليق بشخص بائس ومتعب، حلًّا جعله يستسلم لفعله.

علّمنا الغراب طريقة دفن الأموات، وبتنا نحاول فعل ذلك حتى بمشاعرنا وأفكارنا أيضًا. لكننا، ولربما، قد ندفن أشياء تعود إليها الحياة بطريقة أو بأخرى؛ فلربما في قلوبنا مقابر لأشياء لا تزال على قيد الحياة.

لربما نُجيد التجاوز، لكننا لا نردع أنفسنا عن الحنين، الذي لا يكون إلا أملًا معكوسًا، نتمنى فيه عودة الزمن إلى الوراء، والعودة بنا معه!

 

هذا كل شيء...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

انكشاف الفراغ: نيتشه وإرادة القوة وسؤال المعنى!