لماذا لم يكن عند العرب مثل هوميروس؟
حينما كنت طفلًا، وكنا نذهب في الإجازات إلى القرية، كنا نبيت ليلًا على سطح منزل جدي الحجري، الذي كان يقع بين القلاع القديمة. وككل طفل، كنت أستوحش من الليل؛ فالكلاب تنبح، والديك يؤذّن فجأة، والحمير تنهق، والثعالب تضبح، والظلام دامس، وكل هذه الأصوات كانت تغذي في نفسي خوفًا من جنية القرية الأسطورية "حندودة". وكان التحذير الذي أسمعه دائمًا: انتبه، لا تعشقك حندودة فتصير مثل فلان، ذلك المسنّ الأعزب حادّ الطباع. كنت أسأل عن صفة حندودة، فيُقال لي إنها امرأة جميلة، بعينين خضراوين، وشعر أصفر، ولها حافر عنز. كان هذا الوصف يرعبني، لأني كنت أصدّقه حرفيًا كما هو. أدركت لاحقًا، حين كبرت، أن المقصود بشَعرها الأصفر وعينيها الخضراوين كناية عن كونها شقراء بارعة الجمال، لا الوصف المرعب الذي كنت أتخيله. ثم شاهدت لاحقًا حلقة "طاش ما طاش" (لا يوجد سوانا في البيت)، فزاد ارتعابي من هذه السردية، وصارت ترعبني كلما عدت إلى القرية. كبرت بعدها، وأدركت أن أسطورة الإنسان بحافر البهيمة قد تكون مروية شفاهية مرتبطة بقصة بلقيس، وتمريد سليمان عليه السلام في الصرح الذي عبرت عليه، حتى يستوضح إن كانت...