عن الكتابة والكُتب والكُتّاب.. وأشياء أخرى أيضًا!
إن
كنت تكتب، فهذا أمر جيد للغاية، وإن كنت لا تكتب فهذا أمر في غاية الجودة. لا توجد
هنالك كفّة راجحة لأفضلية من يقف عليها. الكاتب كائن متجاوز لوجوده، والقارئ كائن
يختبر تجربة وجوده أكثر من مرة!
أيًا
كان شكل الكتابة، فهي عمل متجاوز وجميل وبديع، لكن الكاتب ليس كل شيء، وليس مبدعًا
أصيلًا على نحو مطلق لما يكتب، هو أشبه بالحائك الذي ينسج الكثير من الأفكار
والاقتباسات حتى تكون في بوتقة واحدة، ستكون لاحقًا نصَّه، والذي سيمتلك كل حرف
فيه روحه التي تخصه ما إن يخرج من بديهة الكاتب نحو الوجود. قد يتمرد النص على
صاحبه ويمتلك سطوته التي تخصه، ويتقاطع مع القارئ، ويحتمل من التفسيرات ما لم
يعنيه الكاتب، وقد يبقى لصيقًا به، ويمتلك الكاتب وحده سلطة تفسيره وتبريره وشرحه
وتعليله.
هنالك
كُتّاب يملكون من السطوة ما يجعلهم مؤثرين في أفكار القراء، وهنالك من الكتابات ما
يؤثر في الكُتّاب. العوالم تتكشف أمام الكاتب أثناء فعل الكتابة، وسيسبر الكاتب
دهاليز عوالم لم يكن يعرف عنها شيئًا قبل أن يبدأ بنظم الكلمات الأولى التي يفتتح
بها عمله الكتابي!
المفارقة
العجيبة أن الإنسان لا يتعلم أثناء القراءة، بل يتعلم أثناء الكتابة. هنالك حجاب
يتكشف أثناء الكتابة، لا أحد يملك القدرة التامة على التنبؤ بالكم الذي سينتج عن
العمل الكتابي، لكن الأكيد أنها ستحدث أثرًا لا يزول، حتى في تلك النصوص المخبأة
في مذكرات الهاتف النقال، أو تلك التي عرفت الوجود قبل أن تستعر فيها النار أو
تذهب إلى صندوق البريد الكوني (فرّامة الورق!).
يلمس
الكُتّاب جانبًا غامضًا من الكتابة يشبه المعنى في مقولة: (القدر موكل بالمنطق!).
ويلمس الكُتّاب جانبًا أخطر في الكتابة، وهو أن العلاقة معها تتغول وتستبد، فيصبح
الكاتب عاجزًا عن التفكير حتى يكتب، ويخسر قدرته على تنظيم العمليات الذهنية بمعزل
تام عن الكتابة. كما أن الكاتب قد يضحي ببداهته لحساب التفكير، أو يفقد قدرته على
ممارسة التلقائية الفكرية لصالح الكتابة. وهذا ليس كل شيء.
الجانب
الجيد في الكتابة هو قدرتها على منح صاحبها سحنة غامرة من الشعور بالعزة، والعزة
لله، لكن الفكرة هي أن الكاتب، بواسطة الكتابة، سيتمكن من الانفصال عن ذاته
وتشريحها قبل أن يكون إلى الداخل بروح أكثر قوة وصفاء، أو بمعنى آخر سيستغني عن
حاجته إلى الآخرين لمعالجة جروح روحه. كما أن هنالك كُتّابًا ينفعلون مع نصوصهم،
ومن طبيعة النص أن يملك تياره الذي يخصه، والصواب نقل كل الاضطراب من الداخل نحو
النص وتنظيمه في قالب واحد منسجم، لكن الكُتّاب "الملاذيع" يصنعون زوبعة
ثم يعيدون تشربها، وهذه الزوبعة الفكرية قادرة على إحداث تصدعات وتفككات في ذات
الكاتب يصعب علاجها وشفاؤها، فالذات قد تخادع نفسها أثناء الكتابة!
جانب
آخر من جوانب الكتابة، وهو أنها قد تنتج ذاكرة منخفضة الاستقرار، وهذه مشكلة وقفت
على علاجها مؤخرًا، وذلك بكتابة الأفكار الكبرى وتلخيصها على شكل شذرات، ومن ثم
مباعدة مراجعتها، وربط المعرفة بتطبيقات عملية. ينطبق الأمر على الاقتباسات، فليست
كلها تستحق الاحتفاظ بها، كما أنه ليست أي فكرة تستحق التظليل. كلما كان النص
منخفض الخربشات، كان أكثر قدرة على إحداث آثار جيدة. فرق بين شخص يحفظ الكثير من
المعرفة ويقدر على استحضارها، وبين شخص يستطيع أن يلمس جوهر المفهوم، والثانية هي
الغاية الحقيقية التي يسعى إليها العاقل.
بغض
النظر عن فكرة موت المؤلف، وولادة القارئ أو موته، هنالك جزء غامض في المنتصف لا
يُعرف عنه الكثير، وهو أن العمل التحريري يسلب من النص روحه، سواء بواسطة الكاتب
نفسه، أو بواسطة غيره. لذلك أصدق النصوص على الإطلاق هي المفكرات الشخصية. إن حدث
ووجدت مفكرات منشورة، حتى ولو لمستها أيدي التحرير، أو ضاعت المفردات بسبب نقل
المعاني من لغة إلى أخرى، فإنها ستظل أكثر صدقًا من عمل وأفكار مقصودة وموجهة
للآخر.
لو
حدث واطلعت على مذكرات بيسوا مثلًا وأعماله، ستلمس ما أعنيه. ولا يصح أن أعمم
القول بأن كل عمل موجه للآخرين هو عمل يفتقد النزاهة، ولكن سأقول بأنه أقل صدقًا
من تلك النصوص المنفعلة المكتوبة للذات.
أخيرًا:
الكاتب ليس ملاكًا، والكتابة ليست عملًا بطوليًا، بل هي عمل في غاية المشقة، ومن
يقول بأن الكتابة عمل سهل فهو لا يعرفها حق المعرفة، أو لا يثمّن الكلمات بثمنها
الذي تستحقه. كثيرون هم الكُتّاب المغمورون الذين صادفنا نصوصهم في المنتديات أو
في مراسلات البريد الإلكتروني دون أن نعرف المزيد من نصوصهم المبهرة، ولا المزيد
عن الأرواح الجميلة التي نسجتها. لكن الأكيد أن أكثر الأشياء قدرة على رسم وجه
العالم ستكون الكتابة.. بعد الفن طبعًا، والمجد للمبدعين.
هذا
كل شيء ...

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: