عن التأمل والجمال والخلاص، وأشياء أخرى...

 


 

ضمن قصيدة صادفتها، وقفت على مقطع مبهر منها، كان يستحق أن أتوقف عنده:

 

 "لن يحميك

 طول المسافة

 ستأتي

طائرًا

مفتونًا

 ومنهكًا

 إلى الضوء الأخير

سيحرقك... مثل الفراشة!"

 

يمكن أن نشبه جميعًا الفراشات حين تغمرنا الحياة بمتاعبها وآلامها ومباهجها، حتى نصبح، بطريقة ما، تائهين في دواخلنا. كثيرون تفنى حياتهم ركضًا نحو أشياء لا يحبونها ولا تحبهم، ومع ذلك يستمرون في ملاحقتها، وكأن التوقف لم يعد خيارًا ممكنًا.

ثمة جوانب مرعبة في هذا السعي الذي لا نحبه، سواء على المستوى المهني أو الاجتماعي، بل قد يمتد إلى أكثر مناطق حياتنا حساسية؛ في العلاقة الزوجية، أو مع الوالدين، أو الأبناء. عندها يصبح الإنسان كائنًا منهكًا، بالكاد يتصل بذاته، بالكاد يعرف وجهه، وبالكاد يعثر على البهجة في التفاصيل التي كان يحبها... أو يظن أنه كان يحبها.

ثمة صنفان من البشر ينخرطان في الحياة على نحو خاطئ؛ صنف يستنزفه مراقبة ذاته، وصنف يستنزفه الانشغال بالعالم الخارجي. الأول يراقب نفسه حتى يعجز عن العيش، والثاني يوزع انتباهه على أشياء لا تعنيه، أو لا يملك سلطة إصلاحها. كلاهما، بطريقة أو بأخرى، يدور بعيدًا عن الجوهر الأهم والأمتع الذي مُنح له، والذي نسميه الحياة.

يحاول الإنسان، بمختلف الطرق، أن يسيطر على ذاته، وأن يضبط انفعالاته، أو أن يسيطر على الأشياء التي يخشاها. لكن هذه المحاولات لا تبلغ نجاحًا مطلقًا، لأنها تصطدم دائمًا بواقع أكثر تعقيدًا مما يتصور. وفي النهاية، سيدرك، بطريقة أو بأخرى، أنه لن يفهم كل شيء.

 

اليقين الوحيد في التعامل مع الأشياء هو أنه لا توجد طريقة مجدية تمنح يقينًا كاملًا. نحن نعيش في فضاء يحتمل قدرًا هائلًا من اللايقين، وغالبًا ما ينتهي الإنسان، بعد مقاومة طويلة، إلى التبرير؛ لا لأنه يحب التبرير، بل لأنه يحاول فك الاشتباك المؤلم بين قناعاته والواقع الذي حطمها.

وحده الإنسان الناضج يعرف حدود معرفته، وحدود قدراته، وحدود واقعه، ثم يحاول أن يتجاوزها دون أن ينكر وجودها. ويتحرر من القلق الدائم لمعرفة أسباب كل ما حدث، ومن الانشغال المحموم بكل ما يحدث، فلا يحاكم إدراكه باستمرار، ولا يتحسر على كل ما فاته أن يدركه.

الأمر الأهم هو أنه ثمة أنساق معقدة تحكم الأشياء، ويحتاج الإنسان إلى شيء من الجرأة ليتأملها. ثمة آليات متشابكة تربط الأشياء البسيطة بعضها ببعض حتى تصبح نسقًا معقد قد يراه العيان شيء يصعب فهمه أو تفكيكه.

قد تكون نظرية الفوضى أو أثر الفراشة شيء حقيقي على نحو لا ندركه بشكل جيد. أثر الفراشة، وإن لم يُرَ، يظل حقيقيًا ويترك أثرًا لا يزول. وليس المقصود أن نبحث عن هذا الأثر أو أن نحاول إزالته، بل أن نتعلم اكتشاف الأنماط والاستمتاع بتأمل الأنساق؛ لأنها، مهما بلغت من التعقيد، تنطوي على بساطة مدهشة. ولعل لحظة الدهشة نفسها هي اللحظة التي نلتقط فيها الجمال ونلمسه ونشعر به.

أن تدرك الأنماط والأنساق التي تحكم الأشياء يعني أن تدرك وجهًا لطيفًا من الجمال. فالجمال، في صورته الخام، ليس إلا تناسبًا بين الشيء وأجزائه، أو بينه وبين محيطه. ستجد الجمال في كتب التاريخ، وفي تخبطات نيتشه، وفي صوت قطرات المطر على علبة صفيح، وفي أزيز محرك الطائرة على ارتفاع أربعين ألف قدم. كلما اكتشفت نمطًا، أو لمحت اتساقًا، فقد لمست الجمال.

وحين تدرك الجمال، تتحرر، ولو قليلًا، من جبروت الزمن. يصبح بوسعك أن تفصل بين أفكارك وبين اندفاعك إليها؛ أن تلمس النار دون أن تحترق، وأن ترى الضوء دون أن يعميك، وأن تراقب الفراشة وهي تدور حول وهج القبس، مستمتعًا بجمالها، دون أن يدفعها الانبهار إلى أن تفقد وعيها وتحترق.


هذا كل شيء ...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

انكشاف الفراغ: نيتشه وإرادة القوة وسؤال المعنى!