كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!
أملك
طبعًا متأملًا؛ يستحيل أن يمر بي شيء دون أن أستوفي داخلي أفكاري وخيالاتي عنه.
أصنع تصورات، ثم أُطلق أحكامي غير المعلنة على الأشياء... وأمضي، أو على الأقل
أحاول.
هناك
أشياء في الحياة تُفهم لكن لا توجد استعارة تكفي لوصفها. أو لعلني لم أعثر بعد على
الاستعارة المناسبة، وإلا فمن المؤكد أن ثمة من هو أذكى مني، وقد أدرك الأمر على
نحو أعمق، وكانت كُلفة التجربة عنده أكبر.
كنت
أردد دائمًا: "إذا وجدت مقادير طبخة حياتك، فلا تغيّرها." ثم وقفت، بعد
سنوات، على أثرٍ أورده السيوطي رحمه الله في «الدرر المنتثرة»، ومعناه: "من
بورك له في شيء فليلزمه." عندها شعرت أنني كنت أبحث عن هذا المعنى منذ زمن،
دون أن أعرف اسمه.
فالبركة
لا تكون في الأشياء الكبيرة وحدها؛ قد تكون في رفقة، أو عادة صغيرة، أو في أسلوب خاص
في عيش الحياة. وإذا وجدت شيئًا يورثك السكينة ويستقيم معه أمرك، فلا تفرط فيه
طمعًا في صورةٍ تتخيل أنها أفضل. غير أن لزوم البركة لا يعني عبادة المألوف، كما
أن التغيير ليس فضيلةً في ذاته. فالحياة لا تكافئ القفزات بقدر ما تكافئ التدرج.
وما يستحق أن يتغير، فليتغير ببطء، حتى لا تخسر ما كنت تريد أن تحسّنه.
أصدقاء
كثيرون يعيشون حياةً زوجية هانئة لكنهم يعانون ضيقًا ماديًا يسرق منهم الطمأنينة ،
وفي حالتهم قد يكون الحل في مزيد من العمل، أو في ترك الوقت يفعل فعلته بالأشياء.
وعلى النقيض، هناك من يملكون المال لكنهم يفتقدون السكينة داخل بيوتهم، وهي معضلة
لا يحلها الانفصال وحده. وأعرف من استجابوا بسرعة لتحولات طرأت في حياتهم، فأقدموا
على تغييرات كبيرة، وكانت العاقبة ثقيلة. كان الأوائل يقولون: "النساء روائح
وجوائح" ولا أظن المقصود الزواج وحده، بل كل ما يمكن أن يدخل حياتك؛ منها ما
يورق بك، ومنها ما يجتاحك.
ومع
ذلك، فالسكون لا ينتج شيئًا. الحياة لا تكافئ الجمود، بل تكافئ الحركة التي تعرف
إلى أين تمضي. يستطيع الكريم جلّ وعلا أن يمنحك كل شيء بأمره من غير أن تتحرك خطوة
واحدة، فهو الذي خلق الأشياء من العدم. لكنه سبحانه يربينا على بذل الأسباب. أمر
أيوب أن يركض برجله حتى يشفى، وأمر مريم أن تهزّ بجذع النخلة حتى تأكل، وأمر موسى
أن يضرب بعصاه البحر والحجر. وهذا لا يعني أن الحركة هي التي تصنع النتيجة، لكنها
جزء من التربية على استحقاقها.
ثم
بدأت ألاحظ شيئًا آخر: المشكلة ليست في العمل ولا في الطموح، بل في الطريقة التي
نتعامل بها مع أحكامنا على الأشياء.
كان
هنري ميلر يقول: "الجاد شخص منحوس." وأول ما يتبادر إلى ذهني حين أقرأ
هذه العبارة شخصية "هاورد هاملين" في مسلسل “Better Call Saul". رجل يكاد يكون مثالًا للكمال: مهذب،
ذكي، منضبط، يتحرك وفق نظام دقيق ويحسب لكل شيء حسابه. ومع ذلك انتهى نهايةً عبثية
على يد "لالو سالامانكا"، الذي لم يكن يحسب لشيء حسابًا أصلًا. العبرة
ليست في المسلسل، بل في أن الحياة كثيرًا ما تُذكّرك أن الصرامة والجدية لا تمنح
صاحبها حصانة، وأن المرونة ليست استهتارًا. هناك دائمًا مساحة لا تخضع لحساباتنا
ولا تستجيب لمنطقنا.
لهذا
أظن أن الجدية، حين تتجاوز حدّها، تتحول إلى نوع من التصلب. يبدأ الأمر بإدراك، ثم
يتحول إلى شعور، ثم إلى فكرة، ثم إلى حكم، ثم لا نلبث أن نعامل هذا الحكم وكأنه حقيقة
نهائية، فنصبح أسرى لها. والمعنى أنه حينما تتطلع إلى هدف، فلا تربطه بإطار زمني
شديد الصرامة. وإذا سعيت إلى ربح، فلا تحدده برقم. افعل ما عليك، ثم دع للأقدار
مساحة تتحرك فيها. وفي الحديث الشريف: "يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل" ولعل
هذا أكبر مصداق موجز للمعنى.
الإنسان
مطالب بأن يُحسن أسبابه على نحو مستمر، أما النتائج فليست كلها بيده. نحن مسؤولون
عن الأسباب التي نبذلها، وعن التوقعات التي نسمح لها أن تستقر في دواخلنا، لأن هذا
هو القدر الذي نملك سلطةً عليه. وأما النتائج، فأمرها إلى الله.
يعجبني
تأمل العباقرة أكثر من الإعجاب بعبقريتهم. فهم لا يسمحون حتى لأفكارهم أن تتحول
إلى أطر مغلقة. يتمردون بهدوء على النسخة التي صنعوها لأنفسهم، فتتبع أفكارهم
أهدافهم لا العكس. تارةً تراهم في غاية الانضباط، وتارةً في غاية الفوضى. مرةً في
قمة الكآبة، ومرةً في قمة الانبساط. لكنهم في كل ذلك لا يُدافعون عن صورة ثابتة
لأنفسهم، بل يسمحون لأنفسهم بأن تتغير.
لعل
أول درس في الحياة يبدأ قبل الميلاد؛ فلولا حركة الجنين الخارجة عن المألوف لمات
اختناقًا في رحم أمه. وكأن الحياة تُخبرنا منذ اللحظة الأولى أن النجاة لا تكون
بالثبات المطلق، ولا بالحركة العشوائية، وإنما بالحركة المناسبة في الوقت المناسب.
ثمة
جانب آخر يجعل الإفراط في الجدية منفّرًا: التوقع يولد الالتزام، والالتزام يولد
المسؤولية. ولا أحد يحب أن يعيش بجوار شخص يشعر دائمًا أنه مطالب بأن يكون على
الصورة التي رُسمت له. الحياة نفسها لا تعرف الثبات وسنّتها التقلب. وكلما بالغ
الإنسان في التمسك بأحكامه وتوقعاته، ازداد ألم اصطدامه بالواقع، ليس لأن الواقع
سيئ، بل لأنه أوسع من تصوراتنا، وأكثر رحابة من خططنا، وأغنى من أحكامنا.
ربما
لا تحتاج إلى أن تغيّر حياتك كلها.
ربما
كل ما تحتاجه أن تتراجع، في الوقت المناسب، عن حكمٍ واحد ظننته يومًا نهائيًا.
هذا
كل شيء...

ياخي أحبك، وأحب ما تكتب.
ردحذف