"الأعمار ما يُرجى لهن رجوع" عن القرى والاحتمالات... وأشياء أخرى!
أثناء عودتي من الإجازة إلى جدة، وتحديداً على
مفرق مركز الشواق في الساحل، شاهدت حداداً اسمه آدم يعمل في القرية عائداً من
إجازته إلى القرية. وجه قديم ومألوف للغاية في القرية، لا يزال يعمل فيها منذ أكثر
من ثلاثين عاماً، يعرف الجميع ويعرفه الجميع.
كان يواجه لفح الشمس برشاقة، ولا أظنه يستجر
الذكريات كما أفعل. يعرف أغلب أهل القرية، الأحياء والأموات ممن أدركهم. حضر
تقريباً أغلب الزواجات؛ لأنه كان ينصب الأعمدة الحديدية التي تُعلّق عليها عقود
الإنارات الصفراء.
شاهدته يكابد الاحتمالات كلما مرت به سيارة
ولم تتوقف له، كان ينظر إليها حتى تغيب، لعله كان يتوقع أن تتوقف له أو تعود إليه،
ولعله كان يحاول تخمين من يكون أصحاب السيارات العابرة.
الحياة صارت في غاية السوء منذ أن بات البشر يتنبؤون بكل شيء، وليت التنبؤات تصدق! هنالك تنبؤات بالأمطار، وتنبؤات اقتصادية، وتحليلات سياسية، وفي كل مكان تقريباً تجد التوقعات والتنبؤات.
وفي أمر التنبؤات والنبوءات الكثير من السعة
للحديث؛ فالنبوءات السيئة تقع، والحسنة لا تحدث إلا فيما ندر. صراع الإنسان
الأساسي، وسبب معاناته، هو الآمال، وكما يقال: (الآمال مصدر الآلام!).
في القرى كنا لا نعرف عن القادمين إلا تاريخ
الوصول. كنا نترقب، معاشر الأطفال، من النوافذ، نراقب أنوار السيارات القادمة من
بعيد. ذاك القادم هو من نترقب، ونراهن بعضنا على ذلك، ويحدث أن يأتي ذاك الزائر،
ويحدث أن يتجه إلى غيرنا.
حتى أيام البث التناظري، كنا نتابع المسلسلات
وأفلام الكرتون، وتنتهي الحلقة في لحظة تحبس الأنفاس، ونبقى أربعاً وعشرين ساعة لا
نعرف عن الحدث التالي شيئاً. كانت تؤرقنا الاحتمالات وتمتعنا أيضاً. لا إنترنت
لنبحث فيه عن المسلسل أو فيلم الكرتون، ولا شيء اخترق جدار المستقبل وشاهد ما
سيحدث ثم عاد ليخبرنا. كانت متعة لا توصف، تلك الانشغالات الصغيرة.
الاختبارات والدروس والنتائج لم تكن أشياء
متوقعة تماماً، لا تجميعات ولا ملخصات. لم أكن من الجيل الذي كان يُعلن اسمه إن
نجح في الجريدة، لكنني بحثت فيها عن أسماء قرابتي.
المواسم والأمطار كذلك؛ كان الشخص الذي يتمتع
بذاكرة جيدة قادراً على التوقع. إن هبّت الرياح من الغرب، وشاهدنا البرق ليلاً بعد
منتصف العشاء، فسيسيل الشعب الفلاني (للشعاب أسماؤها التي نعرفها).
بل كنا نحتفل بالسبار (الغبار البرتقالي
الكثيف الذي يستمر لأيام ويكاد يحجب نور الشمس). كنا نراقب (معاصيره)؛ لأن المطر
في موسمه سيكون غزيراً بنفس الدرجة التي حجب بها السبار نور الشمس، وستكون
الأعاصير في الأماكن نفسها التي كانت فيها المعاصير.
النوق أيضاً، حينما (تطارق) ويأتيها المخاض،
وتتفكك (العلايق)، وتبدأ بطونها في النزول، كانت تصاب الناقة بحالة مفرطة من
القلق، وتصبح مضطربة، ولا نعرف طريقة لتهدئة قلقها. فقط نراقبها من بعيد، لنجدها
قد ذهبت إلى المكان الذي خرجت فيه إلى الدنيا لتفعل فعل أمهاتها، خصوصاً إن كانت
بكراً.
ولا تبرح مكانها حتى بعد ولادتها، حتى يتمكن
فصيلها من الحركة والسير، ثم تتبعه حيثما ذهب. كانت هذه متعة من مُتع القرى.
في القرى تبدو الحياة حيّة حقاً. الأشجار تعرف
مواقيتها، ونعرف مواسم الصيف والشتاء من الزهور والثمار التي تخرج. بل إن ما يبهج
حقاً هو الأمل الذي ينتعش بعد مواسم الجفاف والصيف، حينما تكاد الأشجار أن تحترق
لشدة الجفاف، ثم يأتي المطر فتنتعش الدنيا وتخضر الأرض.
نمسي والأرض يباس، ونصبح على تفلّت الأرض
بالخضرة.
أمضيت الإجازة أتأمل القرى التي باتت خاوية.
أسباب هجرتها كثيرة؛ فالكثير يتعذر بظروف دراسة الأبناء والبنات العليا، والبعض
يشتكي من تباعد المشاوير لأتفه الأشياء، والبعض الآخر يشتكي بأنه لم يبقَ في
(مضمّته) أحد سواه، والبعض يبحث عن شروط أفضل.
قابلت أحد أصدقائي ممن يُشهد له بالعبقرية،
يعمل طبيباً ومتزوج من طبيبة. حاولت أن أثير قلقه لأعرف أكثر عن قناعاته تجاه
القرى، وأسأله إن كان سيحاول إلحاق أبنائه بمدارس عالمية ويعلمهم اللغات.
رد علي بكل بساطة:
(أنا وأنت خريجا مدارس عامة).
(راس مالها معهد لغة أسجلهم في الصيفات).
(الديرة سلام وراحة نفسية!).
كنت أغبطه، ودائماً ما أعلن مشاعري هذه تجاه
القرى له.
الرعاية الصحية الأولية في غاية الجودة،
والتعليم كذلك، وكل شيء في منتهى الروعة. يملك خيله وحلاله، وقارباً في أحد
الأرصفة البحرية القريبة، ومنزلاً في السراة وآخر في تهامة. يصيد السمك والطيور
ويحنذ لنفسه، ويجني الثمار بنفسه، ويملك الوقت ليراقب تجارته وعلاقاته، ويتجول
سفراً داخل السعودية وخارجها، ثم يعود إلى القرية.
هذه مُتع الحياة الحقيقية.
في المدينة أكافح من أجل أن أبقى بكامل
انتباهي. أحاول مراقبة اتجاهات الرياح من الأعلام التي ترفرف، وأحاول الذهاب
والعودة عبر طرق ثابتة لأراقب التقدم العمراني الحاصل على جوانب الطرق.
لا شيء مبهج في المدن، باستثناء المعارف الذين
آلفهم.
في كل مرة أعود فيها من القرية يتعاظم شعوري
بالحزن لتفكك الصورة المبهجة عنها في بديهتي بسبب الهجرة السريعة منها. أغلب
المحلات للإيجار، وكل الأشياء التي آلفها تقاوم ألم تفككها بصمت صادح ومزعج للنظر
والروح.
لعل حمدان الشويعر خامرته المشاعر التي شعرت
بها حينما قال:
"الأعمار ما يُرجى لهن رجوع
غدت بخلانٍ لنا وربوع
ربوعٍ أنا قد فرّق البين شملهم
وشوف الديار الخاربات يروع
أمرقت أنا الدنيا بيومٍ وليلة
وأعد أسبوعٍ من وراه أسبوع
سود الليالي ما أدري عن بطونها
يمس حوامل ويصبحن وضوع
أنا أدري بعلم اليوم وأمس بما جرى
وباكر بغيبٍ والأمور وقوع"
هذا كل شيء...
ملاحظه: في حال وجدت اخطأ املائية تجاهلها لأنني لم أحرر النص.

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: