فهمك ليس شرطًا لوجود المعنى!

 


كثيرون هم حولنا، منخرطون في الحياة، حينما تنظر إليهم تظنهم بلا الآلام ولا أحلام ، ولا يسألون عن شيء. وحين نسألهم عن أنفسهم، يبتسمون ويقولون: الحمد لله. يعنون شيئًا آخر تمامًا، شيئًا لا اسم له بالضبط، وهو أن الحياة تجري وهم يجرون معها دون أن يطالبون بالتفسيرات ، لا يجزعون على فات، ولا يهلعون على ماهو قادم!

في حين أن من يملك وقتًا أكثر، ومعلومات أكثر، وخيارات أكثر يضيع الكثير من عمره يطالب الحياة بما لم تَعِده به أصلًا: فهم سر تأخر الأشياء، وسر حضورها، وأسرار كل الأشياء التي لم يفهمها.

في قصة الخضر شيءٌ يُزعج العقل ولا يُريحه: أن الحكمة موجودة حتى حين لا تُرى. السفينة خُرقت لتُنجى. الغلام أُخذ لتظل الأسرة. الجدار أُقيم لأطفال لن يعرفوا أن أحدًا أقامه. ثلاثة أحداث، ثلاثة أوجه للحكمة؛ واحدة تتكشف بعد حين، وأخرى تستوجب الرضا دون أن يرى صاحبها ما كسب، وثالثة لن يعلمها من وقعت عليه أبدًا. وكأن القصة تقول ببساطة مزعجة: فهمك ليس شرطًا لوجود المعنى.

بعد إزالة كل طبقات الغموض التي تحيط بالقلق، نجد أربعة أفكار قديمة تحضر دائماً عند الإنسان منذ آلاف السنين: الموت، والفراغ، والحرية، والوحدة. قد تتلبس هذه الأفكار هيئة الاحتياجات الاجتماعية والمادية والصحية والمعرفية، لكنها تطلّ بوجهها الحقيقي لمن يملك البصيرة.

مشكلتنا مع الموت ليست في وقوعه، بل في أننا نتصرف وكأنه لن يقع. نُؤجّل، ونُسوّف، ونبني كأننا باقون. ثم تأتي لحظة جنازة، أو مرض، أو ليلة طويلة بلا نوم فيقف الإنسان أمام حقيقته الوحيدة التي لا تحتاج إثباتًا: التفكير في الموت. العاقل الذي يتصالح مع الموت لا يزهد في الحياة، بل يصير أشدّ التزامًا بها، لأنه يعلم أن أيامه معدودة.

أما الفراغ، فهو ذلك الصمت الذي يُطرق فيه سؤالٌ محرج: من أنا؟ كثيرون يقفون خلف دروع من الإنجازات والمناصب والبطولات، ثم يكتشفون أن الدرع لم تكن تحمي شيئًا حقيقيًا، بل كانت هذه الأوهام هي الشيء الوحيد الذي يملكونه. وحين تسقط، لا يجدون تحتها هويةً راسخة، بل هوىً مخادعًا.

ثم الحرية، وهي من أكثر المخاوف ظلمًا من ناحية السمعة. الكثير يشتكون من قلة الخيارات، وحين تتكاثر أمامهم يشتكون من كثرتها. كتاب جديد، دورة جديدة، مدينة جديدة، طريق جديد. وكلما اتّسعت الاحتمالات، ازداد الإنسان ارتباكًا، لأن كل قرار يعني التخلي عن ألف قرار آخر. وصف كيركغارد القلق بأنه دوار الحرية؛ الإنسان لا يرتبك لأنه لا يملك خيارات، بل لأنه يملكها، وهي كثيرة إلى درجة تسمح له باتخاذ القرار الخطأ بمحض إرادته.

وأما الوحدة، فقصتها أعجب؛ يمضي الإنسان سنواتٍ يبحث عمّن يفهمه، ثم يكتشف أنه هو نفسه لم يكن يفهم نفسه جيدًا. كلماتٌ قليلة في الوقت المناسب تُشعره أنه وجد أخيرًا من يراه، وإن كان ما حدث لا يتجاوز أن أحدهم أنصت جيدًا. الحقيقة الأقل لطفًا أن جزءًا من تجربتك سيبقى خاصًّا بك وحدك؛ لن يراه أحد كما تراه، ولن يشعر به أحد كما تشعر به أنت. وهذا ليس عيبًا في الآخرين، بل طبيعة وجودك نفسها.

 

نراقب الآخرين ونحاول استعارة أحلامهم. شخصٌ غامر فنجح، فنُقرر أن مستقبلنا في المغامرة. وآخر نشر صورةً مبتسمًا على الشاطئ، فنفترض أنه اكتشف سرّ الوجود. ثم نمضي سنوات نُقلّد حياة أشخاص لا نعرف عنها إلا ما سمحوا لنا برؤيته، ونتفاجأ ونغضب ونحزن حين لا نحصل على النتيجة ذاتها. كأن الحياة خالفت شروط عقدٍ لم توقّع عليه من الأساس.

المعنى لا يُورَث ولا يُستنسَخ ولا يُشترى. ولهذا يفشل كثيرون في العثور عليه رغم أنهم اتّبعوا التعليمات بدقة، لأنهم اتّبعوا تعليمات شخص آخر، مع أن لكل إنسان سياق حياته الذي يخصه.

السعادة ليست محطة وصول؛ الإنجاز لحظة، أما السعي فهو العمر كله. الأب لا يعيش أجمل لحظاته يوم يُقال له إنه نجح في التربية، بل في آلاف التفاصيل الصغيرة التي سبقت ذلك اليوم. والطبيب لا يعيش على لحظة الشفاء وحدها، ولا المزارع على لحظة الحصاد. لأن الحياة لا تُعاش في النتائج، بل في بذل الأسباب التي تقود إليها سواءً نجح فيها أو فشل! وحين يفهم الإنسان هذا، تتغير علاقته مع الألم؛ لا لأنه يختفي، بل لأنه يتوقف عن اعتباره دليلًا على فشل الرحلة. تصبح الخيبة خبرة، والخطأ معلومة، والتعثر جزءًا من الحركة لا نقيضًا لها.

مهما حقق الإنسان، سيبقى شيءٌ ناقص. شيءٌ لا يعرف كيف يُسمّيه، لكنه يحسّه جيدًا، خاصةً في اللحظات التي يُفترض أنه يكون فيها أكثر اكتمالًا. لأن القلب خُلق لأفق أوسع من كل ما تقدّمه الدنيا.

ولهذا كان الإيمان بالله الإطار الذي تنتظم داخله بقية المعاني. في القرآن تحذيرٌ من طرفين متقابلين: اليأس من رحمة الله، والأمن من مكره. وكلاهما خطأٌ في مقاربة الواقع، لأن الإنسان لا يرى إلا جزءًا صغيرًا من المشهد.

ليس المطلوب منك أن تجد المعنى كما يعثر شخصٌ على مفاتيحه المفقودة. يكفي أن تعيش بطريقة تسمح للمعنى أن يتكشّف لك. أما بقية الأسئلة التي لم تجد لها جوابًا، فربما لم يحن وقت الجواب أصلًا.

هذا كل شيء ...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها