أن تعيش بشغف يعني أن تدرك أن جوهر كل أنواع الشغف هو أن تبقى دائماً في خطر!

 


لم يكن في بالي أن أكتب اليوم، بل كنت أنوي تأجيل الكتابة إلى أجل لا أعرفه، لكن الفكرة اشتعلت في رأسي كقنديل صغير حينما قرأت خبراً جديداً يتحدث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي.

لا أخفيكم أنني ما زلت غاضباً؛ فقد خسرت بعض المال في أسواق الأسهم بسبب غباء بعض المساهمين الذين يصدقون كل موجة وكل هبّة. أكثر ما يتحدث عنه الناس اليوم هو أن العالم قد يفقد قدرته على توليد الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، وكأن هؤلاء ينسون أن الرفاه البشري لا يمكن أن يستمر دون المال، وأن قيمة الأشياء لا تنشأ إلا من الندرة. كلما توفر الشيء انخفضت قيمته، وكلما ندر ارتفعت قيمته. الأمر بهذه البساطة. لا يمكن أن تعيش البشرية في رفاهية كاملة دون عمل أو رواتب أو تقايض للمنافع تتولد عنه قيمة الأشياء. نعم، توجد مخاطر أخرى بالطبع، لكنها ليست ما أريد الحديث عنه اليوم.

حينما ظهر الإنترنت ثم انفجرت فقاعة شركاته، امتلأ العالم بالتحذيرات. قيل يومها إن الكوارث قادمة، وإن المجتمع سيتغير إلى الأسوأ، وإن الاقتصاد لن يتعافى. حدثت بعض الأضرار فعلاً؛ صار بعض الناس أكثر سطحية، وانخفض عمق المعرفة في أحيان كثيرة، لكن الحياة أصبحت أسهل، وحُلّت مشكلات كثيرة بسرعة لم تكن ممكنة من قبل. حدث الأمر كذلك عندما ظهرت المطبعة، ظن الخطاطون أنها نهاية المعرفة والبشرية، وعندما ظهرت الآلات البخارية، ظن العمال أن الجوع سيأكلهم. لكن ما حدث هو إعادة تعريف للوظائف ورفع لمستوى الرفاهية..

لست بصدد الحديث عن المخاطر اقتصادياً أو تقنياً أو اجتماعياً، بل أحاول أن أجرّد فكرة الخطر من صورتها المرعبة قليلاً، وأن أُظهر جانباً آخر منها؛ جانباً أكثر جمالاً.

في عالم إدارة المخاطر، تُعدّ أعلى درجات النجاح هي تجنب الخطر بالكامل (Avoid). أما أنا فأرى أن الإنسان يجب أن يتعلم كيف يرحب بالخطر، لا أن يهرب منه دائماً.

الصديق العزيز نيتشه، الذي يُساء فهمه أكثر مما يُفهم، وصاحب المقولة الشهيرة: "عش بخطر!" يقول: "كل ما في المرأة لغز، ومفتاح هذا اللغز هو الحمل. الرجل الحقيقي يطلب أمرين: المخاطرة واللعب، ولذلك يطلب المرأة، فهي أخطر الألعاب."

بعيداً عن الجدل المعتاد حول كلامه هذا خاصة وحول العلاقة بين الرجل والمرأة عموماً، فإن ما يهمني هنا هو فكرة المخاطرة نفسها. الرجل ينجذب إلى المرأة لأنها قادرة على هز كيانه من الداخل، قادرة على أن تجعله يواجه أكثر وحوشه ضراوة: الغيرة، والألم، والفرح، والبهجة، والرغبة، والتعلق، نزعة التملّك، النرجسية. أما المرأة، ففي جوهر علاقتها بالرجل فإن ثمرة هذه العلاقة هي الحمل، الامتداد، إلى شيء جديد تمارس عليه حبها وعطفها ورعايتها.

نيتشه لم يقل هذا بهذه الصيغة صراحة، لكن يمكن استنباط ما يعنيه من أفكار معلمه الأكبر شوبنهاور، صاحب واحدة من أكثر الأفكار قسوة في الفلسفة. كان يرى أن أحداً لا يحبك لذاتك الخالصة، بل لأن فيك ما يشبع حاجة أو رغبة أو دافعاً داخلياً لديه، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه. حتى الوالدان، في حبهما لأطفالهما، لا يخلو الأمر من إشباع معانٍ داخلية تتعلق بالعطاء أو القدرة أو الأمان أو الامتداد أو غير ذلك.

لنترك هذا جانباً. الحياة نفسها ترتدي لباس الخطر في كل لحظة، الحياة مفخخة بالمخاطر. الحقيقة خطر. الحب خطر. التجارة خطر. المعرفة خطر. الحرية خطر. كل شيء يستحق أن يُعاش يحمل في داخله احتمال الخسارة.

القليل فقط من الناس يستطيعون رؤية جمال الخطر. القليل من يتفاعل معه بحماسة بدلاً من الرعب، القليل من يشعر بالإثارة حين يصبح مصيره معلقاً على قرار أو خطوة أو كلمة.

أتذكر قصة عمرو بن العاص أثناء مفاوضات فتح مصر. حين شعر أن حياته أصبحت على المحك وأن مضيفه يخطط لاغتياله، لم ينهَر ولم يتجمد خوفاً، بل استخدم ذكاءه في لحظة الخطر. أخبر خصمه أن في الجيش رجالاً كباراً من الصحابة، وأنه سيعود بهم إلى الحصن، فاستيقظ الطمع في نفس خصمه، وقرر تأجيل الاغتيال أملاً في اصطياد الجميع دفعة واحدة. وهكذا خرج عمرو من المأزق وعاد بعد ذلك على رأس جيش فتح مصر.

الخطر ليس حدثًا تراجيديًا ولا يصنع المأساة دائماً؛ أحياناً يصنع الفرصة والحيلة، ويوقظ الذكاء، ويكشف قدرات لم نكن نعرف أنها موجودة فينا، الخطر قادر على كشف أجمل جواهرنا، واختبار حدود قدراتنا، بل ويحررها أيضًا.

الفرص الكبيرة لا تأتي إلا وهي تحمل معها نصيبها من الخطر. التجارة جسارة. والحياة كلها نوع من الرهان المستمر. لكن المتعة الحقيقية ليست في تجنب الخطر، بل في مواجهته بحماس، وفي قبول حالة انقطاع اليقين والعيش مع الغموض الذي يكتنف تصوراتنا عن الاشياء في كل خطوة تستحق أن تُخطى. 

تفقد الحياة شيئاً من بهجتها حين تصبح كل نتائجها متوقعة. وتزداد جمالاً حين تصبح كل لحظة احتمالاً مفتوحاً بين النجاح والفشل، بين الربح والخسارة، بين الوصول والسقوط، البهجة تحدث أحياناً حين تأتي الأشياء كما توقعنا تماماً، لكنها تحدث في أغلب الأحيان حين تأتي على نحو لم نتوقعه إطلاقاً.

والأجمل من ذلك كله أن نتعلم كيف نستقبل النتيجة التي لم نكن نريدها، ثم نلتف حولها ونحوّلها إلى فرصة جديدة.

الحياة ليست للمطمئنين أكثر مما هي للجسورين.

الحياة لمن يجرؤ.


هذا كل شيء ...


تعليقات

إرسال تعليق

التعليق:

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها