أن تتقن الطريق الخطأ!
لم أكتب هذه التدوينة لأن لدي جوابًا، بل لأن
سؤالًا واحدًا ظل يطاردني منذ أشهر: هل أواصل دراستي؟ أم أتجه إلى الاعتمادات
المهنية؟ أم أنني أبحث في الاتجاه الخطأ أصلًا؟ وكلما حاولت الإجابة عن سؤال:
"ماذا أتعلم؟"، عاد سؤال آخر يفرض نفسه: "وهل هذا هو الاتجاه الذي
يستحق أن أنفق فيه سنوات من عمري؟". عندها أدركت أن القضية لم تعد قضية
تعليم، بل قضية وقت مرتبطة بعلاقتي بوجودي أكثر من أي شيء آخر.
ولم يكن هذا السؤال وليد الفراغ؛ فقد جاء في
وقت امتلأت فيه المساحات بإعلانات الدراسات العليا والشهادات المهنية والدورات،
وكأن المستقبل لا ينجو منه إلا من يحمل شهادة جديدة كل بضعة أشهر. حتى صرت أكاد أن
أجزم بأن أغلب هذه الإعلانات تجارة في القلق من المستقبل لا استثمار في الإنسان.
وكلما حاولت الإجابة عن سؤالي، وجدت أن
المشكلة ليست في كثرة الخيارات المطروحة أمامي، بل في المعيار الذي أختار به
بينها. فخلصت إلى أنّ المهارة الحقيقية التي لا يُنازعنا فيها الذكاء الاصطناعي
ولن ينازعنا فيها في الأفق المنظور، ليست معرفة متفرقة، بل قدرة واحدة تتفرع منها
كل القدرات والمهارات الأخرى: الحُكم في حالة الغموض، أو ما سُمي على نحو أكثر
تخصيصًا: ملكة الحُكم، أو الحكمة العملية، والتي تعني القدرة على تكوين قرار صائب
حين لا تتوفر معطيات كاملة ولا قاعدة جاهزة تُطبَّق حرفيًا.
القيادة، في جوهرها، حُكم مطبَّق على البشر؛ التحليل
حُكم مطبَّق على البيانات؛ والمسؤولية الأخلاقية حُكم مطبَّق على التبعات
والنتائج. الآلة تُحاكي الاستدلال والاستقراء داخل ما دُرِّبت عليه، لكنها لا تملك
القدرة على قراءة سياق الغموض ولا تتحمّل تبعة قرار في موقف لم يُرسم له نموذج
مسبق. هذا وحده كافٍ ليعيد ترتيب أولويات من يخطط لمستقبله.
"لا تركض خلف شهادة تُطمئنك، بل ابنِ
ملَكة تحكم بها حين يغيب الدليل، ومهارة تروض بها اللايقين!" أدركت هذا حين
استعدت أهم القرارات التي مرت بي؛ لم يكن نجاحها متوقفًا على معرفة تقنية جمعتها،
بقدر ما توقف على قدرتي على الحُكم في لحظة لم تكن المعطيات فيها كافية أصلًا.
وهذه الملكة تتغذى من علوم بعينها، لا من التلقين العشوائي. ومن أبرز هذه العلوم
أصول الفقه، علم إنساني دقيق، أسس على وجه التحديد لتقنين الحُكم عند غياب النص
القاطع، عبر القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، أو في أسوأ الاحتمالات تقديم دفع
المفسدة على جلب المصلحة؛ وهو فعليًا نموذج معرفي متقدم للتعامل مع الغموض سبقنا
إليه الأقدمون بقرون.
ويليه نظرية القرار، وكذلك فلسفة المعرفة التي
تُميّز المعرفة الموثوقة من الزائفة قبل أن نبني عليها قرارًا؛ وعلم الأنظمة
المعقدة الذي يُدرّب العقل طرق ربط التشابكات بسياقها المعقد الذي تكون فيه؛
وأخيرًا التاريخ، لا كحفظ وقائع، بل كخزان أنماط يُستدعى بالقياس كلما واجهنا
موقفًا جديدًا لا سابقة له.
هذا الجذر نفسه يفسّر لماذا تتكرر في قوائم
"المهن الآمنة من الذكاء الاصطناعي" تلك المهن ذات المسؤولية القانونية،
طبيب أو قاضٍ أو مهندس، ذلك أن المساءلة لا تُنقل لآلة، والمساءلة استحقاق يُبنى
على ملكة الحُكم السليم لا على الأداء.
لكن ثمة سؤالًا أعمق من سؤال المهارة الشخصية،
لا يشغلني بصفتي محللًا اقتصاديًا، بل لأنه يمسّ مباشرة القرار الذي أحاول اتخاذه:
أي مهارة تستحق أن أراهن عليها بوقتي، حين تتوزع عوائد الكفاءات على نحو غير
متكافئ؟
ماذا يحدث لتوليد القيمة الاقتصادية حين تفقد العمالة أجورها أو يتجمّد نموّها بفعل إحلال الآلة مكان الإنسان؟ جزء كبير من القيمة الاقتصادية يتولد من الإنفاق، ومصدره الأجر لا الربح المُدَّخر. وحين تنكمش حصة الأجور لصالح رأس المال، وهذا موثّق في أغلب الاقتصادات المتقدمة منذ عقود، يتباطأ الطلب الكلي عن مواكبة طاقة العرض المتصاعدة بفعل الأتمتة؛ فالتطوير المستمر للمنتجات يحتاج تزايدًا في الإنفاق يستدعي منافسة بين الشركات على حصة أكبر من إنفاق البشر.
كوريا الجنوبية مثلًا، صاحبة أعلى كثافة
روبوتات في العالم، تقدّم مختبرًا حيًّا لهذه المعادلة: بيانات بنكها المركزي تربط
ارتفاع كثافة الروبوت بتباطؤ نمو الأجور الحقيقية. والعالم اليوم يناقش حلولًا لم
تنضج بعد، ضريبة الروبوت، ضريبة الموارد وغيرها من الحلول، بينما الفجوة تتّسع كل
يوم بين من يملك رأس المال، ومن يملك فقط وقته وجهده.
وهذا بالضبط ما يعيدني إلى سؤالي الأول. فكل هذا
النقاش، المهارات، الاقتصاد، مصير الأجور، لن يُحسم بقرار فردي، ولن ينتظر ليتضح.
المؤسسات والدول ستأخذ وقتها في التفاوض على الأثر الاجتماعي والاقتصادي الجديد،
ونحن كأفراد لسنا طرفًا في تلك المفاوضات.
الشيء الوحيد الذي نملك عليه سيادة كاملة،
والذي لا تعيده أي سياسة تعويضية إن ضاع، هو وقتنا وأعمارنا نحن. ذلك الحيّز الذي
نستطيع فيه أن نُراكم حُكمًا، وخبرة، ورأس مال معرفي يصعب استبداله.
حين نسأل أنفسنا اليوم عن أي دورة نلتحق بها،
أو أي مسار أكاديمي نسلكه، لا نسأل: "ماذا يُطلب في السوق الآن؟" بل
نسأل: "إلى أين نتّجه، وهل ما زال أمامنا وقت كافٍ لنصل قبل أن يتغيّر المشهد
كله؟" فالخسارة الحقيقية ليست أن تفوت دورة أو شهادة، بل أن نكتشف متأخرًا
أننا أنفقنا الوقت والعمر في اتجاه لم يعد له وجهة.
ربما لن
نجد اليوم جوابًا شافيًا عن كل هذه الأسئلة، كما لم أجده حين بدأت هذه الكتابة.
لكن إن خرجنا من هذا السؤال ونحن أكثر وضوحًا في الرؤية، فقد ربحنا أهم ما يمكن
ربحه: ألا ننفق سنوات من العمر في إتقان الطريق الخطأ.
هذا كل
شيء ...

اهلا . انفق العمر فيما يعجبك ولا تهتم بما لم يؤثر عليك تحديدا وخصيصا بك .
ردحذف