لماذا لم يكن عند العرب مثل هوميروس؟
حينما كنت طفلًا، وكنا نذهب في الإجازات إلى
القرية، كنا نبيت ليلًا على سطح منزل جدي الحجري، الذي كان يقع بين القلاع
القديمة. وككل طفل، كنت أستوحش من الليل؛ فالكلاب تنبح، والديك يؤذّن فجأة،
والحمير تنهق، والثعالب تضبح، والظلام دامس، وكل هذه الأصوات كانت تغذي في نفسي
خوفًا من جنية القرية الأسطورية "حندودة". وكان التحذير الذي أسمعه
دائمًا: انتبه، لا تعشقك حندودة فتصير مثل فلان، ذلك المسنّ الأعزب حادّ الطباع.
كنت أسأل عن صفة حندودة، فيُقال لي إنها امرأة
جميلة، بعينين خضراوين، وشعر أصفر، ولها حافر عنز. كان هذا الوصف يرعبني، لأني كنت
أصدّقه حرفيًا كما هو. أدركت لاحقًا، حين كبرت، أن المقصود بشَعرها الأصفر وعينيها
الخضراوين كناية عن كونها شقراء بارعة الجمال، لا الوصف المرعب الذي كنت أتخيله.
ثم شاهدت لاحقًا حلقة "طاش ما طاش"
(لا يوجد سوانا في البيت)، فزاد ارتعابي من هذه السردية، وصارت ترعبني كلما عدت
إلى القرية. كبرت بعدها، وأدركت أن أسطورة الإنسان بحافر البهيمة قد تكون مروية
شفاهية مرتبطة بقصة بلقيس، وتمريد سليمان عليه السلام في الصرح الذي عبرت عليه،
حتى يستوضح إن كانت تملك فعلًا حافر بهيمة كما يُشاع عنها.
حتى اليوم، دفعني كثرة الحديث عن
"أوديسة" كريستوفر نولان إلى الكتابة عن الأساطير. والمتتبع لها عند
الشعوب يجدها تتشابه بين أبناء العرق الواحد، وتتفاوت بين الأعراق. ومع ذلك تبقى
الأسطورة أدبًا رفيعًا تحكمه قواعد السرد، وثباتًا لا يذيبه تعاقب الأجيال، حتى
وإن بدت في ظاهرها بلا منطق، فإنها تلفت الانتباه إلى حقيقة لا تُقال إلا بقوة
السرد والمجاز.
لاحظ جامباتيستا فيكو أن كل أمة تمر بثلاثة
عصور متعاقبة: عصر الآلهة، حين ظن الناس أنهم يُحكمون مباشرة بالوحي والتكهن؛ ثم
عصر الأبطال، حين تكون السلطة لرجال أقوياء يُظن أنهم من طينة غير طينة البشر؛ ثم
عصر البشر، حين يُقرّ الجميع بتساويهم فتقوم النظم التي نعرفها اليوم. ولكل عصر من
هذه الأعصر لغته: لغة صامتة إشارية في عصر الآلهة، ثم لغة الاستعارة والصورة في
عصر الأبطال، حتى استقرت أخيرًا على الاصطلاح الذي نتخاطب به. ووجد أن ثلاث ظواهر
تملك طقوسها ولم تغب عن أمة واحدة متحضرة عرفها التاريخ: الدين، والزواج، ودفن
الموتى.
فالأسطورة، في جوهرها، خزانة تصوّرات إنسان لم
يتصالح مع واقعه، تولد من الهلوسة والخيال، ومن الحلم أحيانًا. وهي والطقس وجهان
لجوهر واحد لم ينضج بعد أمام سؤال الوجود؛ الأسطورة وجهه النظري، والطقس وجهه
العملي.
ويخلط كثيرون بين الأسطورة والملحمة، رغم
الفارق بينهما. ففي الأسطورة الإله هو البطل والإنسان هامش، بينما في الملحمة
الإنسان بطل والجن والسعالي هامش. الأسطورة مقدسة رمزها يحتاج إلى تفكيك، والملحمة
دنيوية عملية تسترسل وتُسهب ببشر خارقين على خلاف المعتاد.
وهذا التفاوت بين الأمم في صناعة أساطيرها له
سبب واحد في الغالب: كل أمة عجزت عن فهم شيء، نسجت حوله أسطورة. فمن عجز عن فهم
الظلام والنور صنع أسطورة، ومن عجز عن فهم الحياة والموت صنع أخرى.
أما نحن كعرب، فلم نحتج إلى هذا كله.
فالساميون، والعرب خصوصًا، لم يحتاجوا إلى
الأسطورة، إذ كانت لهم فراسة تكفيهم ولحظ يُدركون به الأشياء من أبسط الدلالات،
حتى تميزوا في القيافة والعيافة، وآمنوا بالرسالات دون خوارق ولا معجزات كما
احتاجها غيرهم، فمدحهم الله بقوله: (الذين يؤمنون بالغيب).
ووظيفة المجاز أن يُمرّر المعنى الثقيل على من
لا يطيقه مكشوفًا، لكن العربي سريع الفهم، يكفيه الإيجاز، وينفر من الاستعارة
المتكلَّفة. ولا أنفي تمامًا تأثره بالأسطورة تحت ضغط الأديان المجاورة والعابرة
بأرضه أو بالحركة التجارية، لكنه لم يغالِ فيها، بل جعلها سمرًا وأُنسًا لا عقيدة،
ولم تغب عن وجدانه، لكنها اندثرت لأننا أمة شفاهية لم تعتمد الكتابة والتدوين إلا
في فترات متأخرة. على عكس الآريين الذين امتلكوا قدرة فريدة على توليد الأساطير
وصناعتها.
وبالعودة إلى نشأة الأساطير، فقد اختلف
الدارسون الغربيون في تفسير هذا المنشأ. فجوزيف كامبل يرى أن الحلم والأسطورة
ينبعان من منبع نفسي واحد؛ فالأسطورة حلمُ الجماعة، والحلمُ أسطورةُ الفرد، فإن
توافق حلمه الخاص مع أسطورة الجماعة كان في وئام معهم، وإن لم يتوافق فأمامه
مغامرة يخوضها وحده حتى تعيش الأسطورة أو تندثر. أما فريدريش ماكس مولر فذهب إلى
أن الأسطورة "مرض من أمراض اللغة"، إذ تجمّدت كلمات وُضعت أصلًا لوصف
الطبيعة، حتى ظُنّت كائنات حية بفعل نسيان أصل اللفظ. وأما هربرت سبنسر فنُسبت
إليه خطأً فكرة عجز القدماء عن فهم الطبيعة، والصحيح أن نظريته في تقديس أرواح
الأموات لا في تفسير الظواهر، وذلك الخطأ الشائع أقرب إلى مولر وتايلور.
ومن الأمثلة على هذا الاشتباك بين الأسطورة
والدين في تراثنا حكاية هاروت وماروت، إذ خدعتهما الزهرة حتى مُسخت كوكبًا، كما
تُروى عن كعب الأحبار، وقد رجّح ابن كثير أنها من الإسرائيليات لا من نص ثابت، ويقال
إنّ ابن عمر رضي الله عنه حين شاهدها طالعةً في السماء لعنها.
وأما عن استخدام العرب لمفردة أسطورة فإنه
ينسجم مع ما ذكرت عنها، فقد وردت "أساطير الأولين" في القرآن تسع مرات،
لكنها جاءت كلها على لسان مشركين رفضوا الوحي، لا حكمًا قرآنيًا عامًا على
الأسطورة. وأما عن المستوى الأسطوري في المخيلة العربية القديمة فمما يُروى أنّ
مالك بن دينار رأى في منامه تنينًا يطارده بعد موت ابنته، فاستيقظ تائبًا، وهي
حكاية مشهورة.
عمومًا؛ الأسطورة ليست دلالة ذكاء بقدر ما
تكون دلالة بلاهة وغباء، بالرغم من كل ما تحتمله من معاني عظيمة، فهي حينما
أُنجزت، كانت عزاء لمن عجز عن مواجهة سؤال فشل في فهم جوابه أو الاعتراف به،
تحتاجها الأمم التي فقدت يقينها بالغيب فاخترعت غيبًا من عندها.
كما أنها قد تدلل على فشل أمم في استيعاب
المعنى إلا بمنحه شخصية لها أفعالها وإرادتها، في حين أن العرب لم يكونوا بحاجة
لهذا، وكانت الأسطورة إن حدث وعبرت بهم، حديث سمر وسهر!
هذا كل شيء ...
للاستزادة:
- - العلم
الجديد، فيكو
- - الاساطير
العربية قبل الإسلام، محمد خان
- - بخور
الآلهة، الماجدي
تدوينات
أخرى ذات علاقة:
https://a1a9a.blogspot.com/2026/03/blog-post_31.html
https://a1a9a.blogspot.com/2025/12/blog-post_5.html

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: