لماذا يتوجب عليك الاطلاع على أعمال جيامباتيستا فيكو وميشيل دي مونتين؟
التأسيس شيء، والبناء شيء آخر تمامًا. فالمعرفة الإنسانية لا تُفهم إلا بوصفها تراكمًا تاريخيًا؛ تبدأ بالأبجدية قبل أن تصبح لغة، وبالأدوات قبل أن تصبح فنًا، وبالمفاهيم قبل أن ترتقي إلى نظريات. لا يمكن أن تفهم شيئًا ما لم تدرك المفاهيم التي سبقت بناء الفرضيات، التي تمهّد لفهم النظريات، قبل أن تصبح الأشياء أقرب إلى مسلّمات علمية لا يكاد يعتريها الشك.
هناك من امتلك السبق في حقول الكتابة، وامتلك أدواتها الكافية لكي يرصد ويُلخّص فهمه للمفاهيم التي كان يفكر بها معاصروه. المرء، حينما يفهم، يتسامح مع فجاجة الآراء والحقائق. المعرفة عملية صعبة؛ المعارف التي تنتج تؤلم، ولا يمكن الشعور تجاهها بالراحة، وغالبًا ما تزعزع مالكها الجديد قبل أن يتصالح معها.
من هنا، تكتسب قراءة أعمال فيكو ومونتين ضرورتها؛ فالأول يسير بك عبر التاريخ ليفكك نشأة الأفكار، بينما يعيدك الثاني إلى ذاتك لتختبر كيف تتشكل هذه الأفكار في الوعي. مع فيكو يبدو العالم وكأنه ينتظم في خط، لكنه في العمق يدور في دورات تعيد إنتاج نفسها، أما مونتين فلا يمنحك طريقًا، بل يضعك في قلب التجربة ذاتها. المعرفة عند الاثنين ليست راحة، بل زعزعة؛ إذ لا يولد الفهم إلا على أنقاض يقين سابق.
المدهش واللافت أن مونتين تحدث عن رداءة ذاكرته، لكنك ستندهش بحدة وعيه بأفكاره؛ ستشعر حقًا بالزهد فيما تملكه من معرفة مقارنةً به، بل وربما ستزهد في القراءة والكتابة حينما تقرأ له وتقارن نفسك به. ينقل كثيرًا، ويقتبس كثيرًا، ويوجز السرديات الطويلة بطريقة مدهشة كي يضعك في السياق الذي بُني عليه حكمه.
من المفاهيم الصعبة، مثلًا، التي قال بها فيكو: أن عصور الزمن ثلاثة: عصر الآلهة، وعصر الأبطال، وعصر البشر. وكل عصر زمني ارتبط بعصر معرفي؛ فهناك العصر الغامض، وعصر الأساطير، وعصر التاريخ. وكل عصر معرفي ارتبط بلغة تخصه؛ فهناك عصر اللغة المقدسة، ثم عصر اللغة الرمزية (الشعرية)، وأخيرًا عصر اللغة الاصطلاحية. ولا تتوقف عجائب المفاهيم عند فيكو هنا، فكل عصر مرتبط بفعل لغوي؛ فهناك عصر الخلق، وعصر النحت والتصوير، وعصر الكتابة.
بدأ لي مع فيكو أنه يحب أن يحبس المفاهيم في ثلاث شعب؛ مثلًا: هناك علاقة بين الجهل والدهشة والخيال. وقد تحدث عن بلبلة اللغات، وقال بأنها محاولة لمحاكاة اللغة المقدسة. وقال إن التعجب والدهشة وليدا الجهل، وتتعاظم الدهشة بعِظَم أثرها. فبقدر ما يكون الجهل واسعًا، يكون النقد ضعيفًا، وبقدر ما يكون النقد ضعيفًا، يكون الخيال أقوى. كأنما يُفهم ضمنيًا أن القادر على عزل النقد قادر على الإيحاء والتأثير بطريقة غير مباشرة، وهذا ما يتشابه مع الشعر؛ لأن الشعر يخاطب المخيلة، وبالتالي يملك الشاعر القدرة على التأثير في الواقع.
تقاطع فيكو في فكرة حتمية التاريخ مع ابن خلدون في فكرة الحتمية الاجتماعية؛ فالإنسان يشعر بما هو ضروري، ويهتم بما هو نافع، ويبحث عما هو مريح، ثم يبحث عن الممتع قبل أن ينحل بسبب إسرافه في المتعة.
ومن أجمل ملاحظاته التاريخية أن كل الشعوب المتحضرة لديها أديان، وطقوس زواج، وطقوس دفن.
وبالعودة إلى مونتين، فيكاد أن يكون من أجمل ما كتبه: “أكثر أمراضنا توحشًا… ازدراء وجودنا!”.
في
الختام: لن يمنحك فيكو دلائل على الطرق التي سلكها، ولن يساعدك مونتين على النجاة
من نفسك. كل ما سيفعلانه هو أن يجرّداك من الأوهام التي اعتدت تسميتها معرفة، وأن
يكشفا لك هشاشة المفاهيم التي بُني عليها ما يبدو اليوم حقائق مسلَّمًا بها. ثم
يتركانك وحيدًا أمام هذا الفراغ لتواجه نفسك.
ستفهم أن
أخطر ما يمكن أن يملكه الإنسان… ليس الجهل، بل يقينٌ لم يُختبر.

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: