ترويض الواقع / سياسة الواقع المُعاش!

 


 




انتهى رمضان، موسم تكون فيه نفوسنا أكثر صفاءً ونقاء. فكما يقال: "البطنة تذهب الفطنة."

عملياتنا الفكرية ليست سوى تفاعلات كيميائية تنتج عما تختمره أمعاؤنا. سبق وقرأت في أحد كتب علم النفس أن الانحرافات الفكرية تؤثر على كيمياء الدماغ، وكيمياء الدماغ تؤثر على العمليات الفكرية، والعوام يقولون: ما تأكله يأكلك، المصاب باضطراب فكري يأكل بطريقة سيئة ومن يأكل بطريقة سيئة ستضطرب أفكاره!

على غير العادة هذا العام، أصابني إلى حد ما خوف مضاف من الزحام، بالإضافة إلى زيادة كرهي له، وكل ذلك بسبب الحادث المروري الذي صار لي في رمضان. خرجت هذا العام أيضاً من رمضان بغير قائمة أهداف كما كنت أفعل كل عام، والسبب الذي غيرني سأذكره تباعاً. قابلت أصدقائي في رمضان وفي العيد، هنالك لقاء سنوي غير مخطط (بالتياسير) لمجموعة أصدقاء الكلية وأصدقاء الثانوية، نضحك فيه ضحكاً قديماً، ونتفاخر فيه بما أنجزناه، ونشكي لبعضنا التغيرات الصحية التي طرأت علينا.

بدأت إجازتي في آخر يوم قبل العيد، واتجهت فوراً إلى القرية، حيث لا زحام ولا ضجيج، وحيث يمكنني أن أشرّع النوافذ للهواء كي أستنشقَه بمطلق الحرية، وحيث لا أشغال تعكّر مزاجي بسبب تباعد المشاوير. كنت أتغانم الأوقات التي ينام فيها الجميع لكي أنفرد بالكتاب الرائع الذي أوصى به، وبحذر، أحد أصدقائي العباقرة.

المهم، وحتى لا أطيل: سبب التوصية حديثنا إحدى المرات عن الرابطة العجيبة بين اللغة والواقع. لا تكاد تمر على كتاب لأي ألمعي إلا وتجده تفطّن للظاهرة، لكنه، وبكيفية ما، عجز عن فهمها بشكل كامل. ابن تيمية، هايدجر، لوبون، ابن خلدون، علي الوردي، وغيرهم ممن سبق أو لحق بهم، جميعهم رموا شذرات غامضة، لكنها لم ترصد كل شيء. فمما يُروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول:

‏"تفاءَلْ بما تهوى يكنْ، فَلَقلّما

‏يُقال لشيءٍ كان: ألا تَكَوَّنا"

كتاب الكاتب الروسي الذي قرأت له جميل للغاية، لكثرة الأفكار التي جمعها بين دفتيه. (لن أذكر اسم الكتاب نظراً للكم الهائل من المغالطات العقدية والمنطقية). كانت ترجمة العمل رديئة، لكني فعلت مع الكتاب مثلما أفعل مع أي كتاب آخر: أحوله إلى خطة عملية، ومنهج تطبيقي (باستثناء كتب الأدب التي أقتبس منها لأتسامر مع الاقتباسات متى ما استدعى الأمر ذلك).

 

أفضل الاقتباسات بعد تحريري لها كالتالي:

·        كلما آمن شخص بفكرته، منحها قوة تتغذى على قبول الآخرين لها أو رفضهم؛ فالأفكار تتغذى على النقيضين، وحياة الفكرة أن تبقى متحركة، تجتذب القبول والرفض، وتقسم الناس حولها بين شد وجذب.

·        الأشياء التي تغذي الأفكار قد تصبح قيوداً على أرض الواقع.

·        الخوف أكبر مغذٍّ للأفكار ولاضطراب الواقع، وكذلك القلق والاضطراب والحماس والاستياء والانتباه والحب والكره، وكذلك الانتقاد والغضب. (في سورة يوسف مثلاً يعقوب عليه السلام صرح مرتين عن خوفه، وحدث فعلاً ما تخوّف منه!). فالخوف الزائد، والمبالغة الزائدة، أشياء تجلب الوبال على صاحبها، التوكل في أجمل معانيه أن تبذل غاية الجهد نحو الهدف وترك النتائج لله.

·        حينما تفكر في شيء بأي نوع من أنواع العواطف، فإنك بطريقة أو بأخرى تولد قوى تحول بينك وبين ما تريده! (علي الوردي ألمح لهذا في "خوارق اللاشعور"، وسماه "قانون كويه للجهد المعكوس": علاقة طردية بين شدة الرغبة في الشيء وبين احتمال عدم حدوثه؛ كلما تزايدت الأولى، نقصت احتمالات الحصول عليه. وابن خلدون ألمح إلى وجود علاقة طردية بين كمّ المعرفة وبين سوء الحظ، وتفطن لهذه الظاهرة العرب قبل ذلك!). والمعنى الحقيقي، منطقياً، بخلاف ما كان يتحدث عنه الكتاب، هو أن التفكير لا يصنع الواقع، لكنه يؤثر على القرارات، والقرارات هي التي تصنع الواقع.

·        بكل بساطة، تستطيع إفشال تأثير الآخرين عليك، والقوى الفكرية الناتجة عن تأثيرهم، بالتجاهل!

·        الشيء الذي لا تريده، لا تمنحه قيمة ولا طاقة ولا وزناً، فقط لا تفكر فيه!

·        أفضل طرق التحرر من أي شيء يفوقك قدره، هو التعايش معه، ثم استغلال الفرص للتحرر منه!

·        اخرج عن التوقعات، فكر بشكل غير متوقع!

·        الحماس المفتعل، والسذاجة والحماقة المفتعلة، وكذلك البرود المفتعل، من طرق إفشال تأثير الأشياء عليك.

·        تعلم كيف تتصرف كما لو كنت شخصاً آخر لا يملك مشاعر تجاه الأفكار، سترى حينها الأمور بوضوح!

·        لا تنغمس بالكامل في الأشياء، أرعِ حواسك للأشياء، اسمح لعقلك بالاستماع لما يقوله قلبك، واسمح لنفسك بالانتباه للصدف التي تظهر دائماً كأحداث جانبية عرضية.

·        الأمور في غاية البساطة، ليست بالتعقيد الذي تتصوره عنها! متى ما وجدت عقلك يعقد الأمور، اعرف أنك تسير في مسار فكري خاطئ!

·        أي شيء ترفع من تقييمه، فأنت تزيد على نفسك من صعوبة تحصيله، قد تخلق حاجز رهبة أو تضيع الانتباه للتفاصيل الهامة!

·        تعلم أن تهتم بالأشياء دون قلق، ولا تعطِ أي شيء أكبر من حقه.

·        ابحث عن البشارات، وتأمل دائماً الجوانب الإيجابية في كل شيء.

·        تعلم الطمأنينة، واعقد نيتك واعتقادك بأنك لن تحصل إلا على ما أراده الله لك، ولن تُمنع إلا مما أراده الله لك.

·        أبسط وصفة للحصول على ما تريد: اعرف جيداً ما تريد، لا تتمسك بخيار واحد، فكر بإيجابية، خفف حماسك، لا تتعلق بنتيجة واحدة، خفف من الأهمية قدر الممكن لخياراتك، تحصل على ما تريد.

·        لغة الروح ثنائية: إيجابية أو سلبية. الوسيلة الوحيدة لمعرفة صوابها من خطئها، هي عندما تجد نفسك ملزماً بإقناع نفسك بعكس ما تجده تلقائياً وعفوياً وحدسياً.

·        أي هدف وأي فكرة تضعك تحت الضغط، اعرف أنها فكرة سيئة؛ الأهداف الجيدة والأفكار الجيدة تنسجم مع ما تشعر به في روحك.

·        الظروف مثل تيار النهر السريع، لا تستطيع التجديف فيه، ولا تستطيع معاكسته، أي محاولة لمقاومة التيار هي جنون محض، أنسب حل هو مجاراتها، وكما يقال: إذا هبت رياحك فاغتنمها!

·        الأشخاص الذين ينتجون في حياتهم يعرفون أهدافهم بدقة، ويتعاملون معها كشيء حتمي يشبه وضع اللقمة في الفم، ويتعايشون بكل إيجابية مع عثراتهم؛ هذا هو الفارق بينهم وبين الآخرين.

 

 

المهم أنني، بعد القراءة، شعرت بسحنة لطيفة من الكآبة جعلتني أرى الأشياء من منظور آخر، شعرت أنني لا أعرف ما أريد، وأن مواهبي فاقت طموحاتي بأشواط بعيدة، وبقيت أحاول قصّ هوامشي والتخفف من رغباتي. كانت فرصة الهدوء التي عشتها منعشة للغاية، أدركت أنني ابتعدت كثيراً عن نفسي، وكانت هذه الإجازة القصيرة فرصة لكي أعرف قدر المسافة التي قطعتها، ولربما قطعتها بعيداً عن ذاتي.

لا أعرف بدقة إن كانت، وتحديداً، فرصة كتابة المذكرات هي الأكثر إنعاشاً، أو تجربة التجول في القرية بمطلق الحرية هي الأكثر.

تعليقات

إرسال تعليق

التعليق:

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها

«أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ!»