الدليل المنهجي الأول لتعليم كيفية التعرّض للنصب!
في مطلع الأسبوع الماضي كنت أسير في طريق
المدينة صائمًا، بعد نهاية يوم عمل شاق، ولم يكن يشغلني سوى سريري الذي سأنام فيه
حتى يبرد تعب روحي ويرتوي ظمؤها. كنت في المسار الأوسط أحاول السيطرة على زحام
الطريق، منتبهًا حتى لا أصطدم بالآخرين .. لكن لا يغني حذر من قدر.
بالصدفة نظرت في المرآة، فإذا بسيارة تسير
بسرعة متجهة نحوي، ولا مفر من الاصطدام. أسندت رأسي إلى الخلف، ووقع الحادث.
تمت الإجراءات، وتحمّلت المسكينة الخطأ
بالكامل، وتلفت سيارتها أيضًا. أما سيارتي فخرجت ببعض الخدوش وكسر في إكسسوار
نادر، وفكّ في نظام أمان الرأس يستلزم التغيير.
بدأت المرحلة التالية من القصة. ومع أن الأمر
غير عاجل، أخذت الخطوة وانطلقت نحو عسفان لجهة تقدير الحوادث هناك. كان المشوار
ثقيلًا على نفسي، إذ لا ناقة لي فيه ولا جمل، لكن للأقدار مسارات أخرى لا نعرفها.
أنهيت التقدير الأول، وكان تعامل الموظفين في
جهة التقدير وفي نجم في غاية الرقي. والجهد التنظيمي الذي قامت به الدولة في قضية
إجراءات الحوادث جهد لافت تُشكر عليه.
لي مع الحوادث خبرة لا أتمنى لأحد أن يكتسبها؛
فقد جربت الانقلابات، والطيران من فوق الكباري، والاصطدام بالجبال، وانفلات الفرامل.
وواجهت حوادث الشاحنات، وهي لمن جرّبها الأكثر رعبًا على الإطلاق. كما مررت بحوادث مع
المعدات الثقيلة، وما زالت أذني اليمنى تحمل أثر حرق نتيجة التصاقها بماسورة عادم
حراثة انقلبت بي أثناء حرث إحدى مزارعنا. ومع ذلك، كان حادثي الأخير الأسهل
إجرائيًا.
في اليوم التالي وصلتني رسالة بمبلغ التقدير،
وكان مبلغًا كافيًا نسبيًا رأيته ثمنًا عادلًا للحادث. لكن حين نزلت من السيارة
اكتشفت أن قطعة من قطع السلامة قد تضررت من الحادث، وهي مكلفة للغاية، فارتأيت أن
أعترض على التقدير، فـ "من ترك حقًا من حقوقه أُحوج إليه!".
اعترضت وأعدت الخطوات ذاتها في التقدير الأول،
وبقيت في انتظار اكتمال الإجراءات.
ارتأيت أن أبدأ البحث عن القطع ريثما ينزل
مبلغ التأمين، فأستطيع حينها الشروع في الإصلاحات التي تستلزم بقاء السيارة نصف
يوم في إحدى الورش. قررت البحث في التشاليح عن بعض القطع، ولكن، بطريقة مريبة، كانت
مساعيّ عقيمة. اتجهت إلى تشاليح الحمدانية فوجدت أنه قد تم نقله. لم أجد سوى
السيارة التي ترون صورتها في أول التدوينة. توقفت أتأملها؛ كانت الرياح تعبث
ببقايا قماش الديكور، وبذعر كانت قطع القماش تتخبط يمنة ويسرة. خطر لي: ماذا لو
كانت الرياح تعيد تمثيل آخر مشهد لمستخدمي السيارة قبل أن تصبح مجرد خردة ملقاة في
على جانب الطريق المجهول؟
المهم أنني لم أجد التشليح، فقررت البحث في
حراج وعبر قنوات التليجرام المخصصة لملاك السيارة من نوع سيارتي. تطفّل أحدهم
وشاركني رقم شخص قال إنه في الدمام، وإن القطع متوفرة لديه. وبالفعل تواصلت معه،
وكان الحوار جيدًا والتفاوض جيدًا. كنت أستغرب لطفي الزائد معه واندفاعي كذلك،
لكني كنت متعبًا من البحث، وفي الوقت نفسه أخاف فوات الغبطة؛ فكل ما أريده متوفر
لديه بطريقة تتقاطع تمامًا مع هواي.
وحينما حولت الدفعة الثانية من المبلغ، شعرت
كأنني أفقت من حلم. شعرت أني تعرضت للنصب. لكن فات الأوان؛ لقد قمت بتحويل المال.
وانطبقت عليّ تمامًا القاعدة التي تقول:
"من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب
بحرمانه."
سارعت بتقديم بلاغات عبر البنك، وعبر كلنا
أمن، وعبر أبشر. لكن بطريقة أو بأخرى أنا لا أفعل سوى ما فعله أبوانا في الجنة وكل
جهدي عملية طفق لأخصف على سوءتي من ورق الجنة؛ لقد خُدعت عبر مشاعر الخوف والطمع.
ولا يمكن أن تمر حيلة على إنسان دون أن تعزف على هذه الأوتار.
الدروس المستفادة:
- لا تعجل؛
افعل الشيء الصحيح في الوقت الصحيح بالطريقة الصحيحة.
- احذر
الجهة التي تأمنها، وخذ الحذر مرتين حينما تجد نفسك لطيفًا أكثر من اللازم.
- احذر
حينما تكون مطمئنًا؛ فالتحقق لا يتنافى مع الثقة. تحقق باستمرار، ولكن لا تتشكك.
بقيت حتى هذه اللحظة، ورغم خسارة المبلغ الذي
حولته، أعزي نفسي بقول الشاعر:
"إن الكريم إذا خادعته انخدعا!"
وأنا خُدعت يا سادة.

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: