طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها

 


كانت ولا زالت لدي هواية غريبة نوعًا ما. أحب السفر برًّا، وأحب السفر دون سيارة. أحب تقطّعات الرحلات، وأحب الحوارات مع الأغراب في سكك السفر. وأحب أن أتلقى الدهشة… أو أترك الآخرين مصعوقين بها.

تنقّلت بين أغلب مدن وسط وغرب وجنوب المملكة على الطريق دون سيارة. كنت أرفض تمامًا أن يوصلني أحد. أحب الوقوف على ناصية الطريق، بكامل أناقتي، أحمل حقيبة أو كيسًا فيه كامل أغراضي، ومعي القليل من الفِكّة. وأبقى أترقّب ما سيفعله حظي. أحياناً تصعقني شموس الصيف، وأحياناً في الظلام أبدو كشبّح نسيته قافلة متجهة إلى العالم الآخر.

أحيانًا لا يطول وقوفي على مفترق الطرق وأحياناً يطول. أطول مرة وقفت فيها كانت ست ساعات في دوار “أبو حسن” بمحافظة العرضيات عام 2011م. كانت واحدة من أغرب رحلاتي، حينما كنت أقضي تدريبي الهندسي الأول في خميس مشيط. لازمتني حمّى جعلتني أهرب من التدريب إلى القرية، مع أن عائلتي كانت في رحلة صيفية وكنت سأكون الوحيد في القرية، لكني عزمت وانتهى الأمر، ذهبت مع أول سيارة توقفت لي إلى محطة مشاعل الخليج. كانت الجبال يومها بيضاء من البَرَد في عزّ الصيف. وأمطرت عليّ حينما نزلت حتى غرقت بالكامل في محطة مشاعل الخليج في أبها. بقيت مثل المتسوّلين، مع الحمى والبلل، أتوسل “الكدّادين” كي أصعد إلى سياراتهم لأشعر بالدفء قليلًا، لكني فشلت، مما اضطرني إلى أن أدفع ثلاثة أضعاف الأجرة حتى أنزل إلى محايل. وفيها أعدت غسيل ثوبي وشماغي، وركبت مع سيارة أخرى إلى مثلث أبو حسن في العرضيات، لأعلَق هناك ست ساعات، لإني كُنت بالكاد أُرى بسبب الغبار والعَجّ.

أول ما يدور الحوار في السفر مع الأغراب عن الاسم والعمل. غالبًا ما كنت أعطي اسمي الأول صحيحًا، لكني أزيّف عنواني واسمي الأخير (لأسباب أمنية تخص السفر مع من لا تعرف) ثم يدور الحديث عن المهنة والعمل، قبل أن يصبح الحوار فلسفيًا وثقافيًا… وهذا أكثر ما كان يمتعني في السفر مع الأغراب.

هناك جانب مبهر في هذا النوع من السفر: التفرغ للتأمل بسبب عدم الانشغال بالطريق، والتعرّف على الفروقات بين الناس في العادات واللهجات والأساليب والقصص.

سافرت على متن شاحنة، وعلى متن سطحة، وفي أنواع مختلفة من السيارات، بحسب ما كان يقتضيه الطريق وحالة العبور. ومن أغرب المرات التي سافرت فيها كانت من الطائف نحو الرياض. ركبت في سيارة أكورد، وكان صاحبها في حالة مريبة. وحين وصلنا إلى منطقة قريبة من ظلم، تسارع بسيارته، وقرر أن “ينطِلّ” فإذا بي كأنما أكون في مقاتلة حربية تتجاذبي الـ G-force  يمنة ويسرة قبل أن تلتف السيارة حول نفسها بضع مرات قبل أن تتوقف كانت أول مرة أخوض مثل هذه التجربة، ورغم كل الغضب كنا في منطقة لا تسمح لي بالنزول والوقوف مجددًا على الطريق مما اضطرني للإكمال مع ذاك المجنون نحو الرياض .

من السهل جدًا أن يبوح الغريب للغريب. كان البعض يشتكي من قصص حياته: الزوجة المتمردة، العجز الجنسي، الظلم، النصب، المآسي الصغيرة التي يخجل الناس من البوح بها لأقرب الناس إليهم. كنت مستمعًا جيدًا. أمارس دور المعالج النفسي. وأتلقى في النهاية نظرات الامتنان، وعرضًا جادًا للتنازل عن ثمن الرحلة… لأنها كانت رحلة سعيدة، وكنت فيها رفيق سفرٍ جيّد.

تورّطت أيضًا بطريقة أخرى مع السفر الطويل. كنت أعمل في الرياض، وأسافر كل شهر برًّا بسيارتي نحو الجنوب.

تسع ساعات متصلة من القيادة. أستطيع الآن توضيب نفسي للسفر في أقل من خمس دقائق. أستطيع الارتحال بأقل قدر ممكن من الأشياء. لهذا أمتلك كتابًا إلكترونيًا مشحون البطارية دائمًا،

وحقيبة ظهر لا آخذ فيها أكثر من أربع قطع ملابس، وشنطة حلاقة، ومجموعة بسيطة للاستحمام، ومناشف مغلّفة للاستخدام الواحد بالإضافة إلى حاسوبي المحمول ودفتر ملاحظات ومجموعة أقلام.

لكن بعد كل هذه السنين، تعبت من القيادة. حتى بات أتفه مشوار يثقل على روحي. وصرت أقود السيارة في منتصف الطريق كما لو كنت مسنًّا مصابًا بالمياه البيضاء في عينيه.

ما جعلني أعتاد الصمت الطويل، والطويل جداً بحيث لا تفرق معي الساعات مع الغرباء أو وحيدًا هي تجربتي مع الإبل. نشأت بينها. وكنت أزجي الوقت معها، أنقش على الأحجار أو أتأمل الصمت.

كل جبال منطقتي صعدتها. وأعرف كل معالمها. حتى صرت أكتفي بالإشارة بإصبعي لأحدد أماكن الأشياء البعيدة التي وقفت عندها يومًا. سرت في الجبال ليلًا ونهاراً، حتى اعتلّ سمعي، وظننت أني أسمع الجن أو أراهم. وفي الحقيقة، كنت أخاف لحداثة سني، وكان جهازي العصبي الجسور والمستعد دائماً يبرر ما أشعر به بأن هناك أشياء تصدر أصواتًا أو تجوب الظلام معي وحولي. قاعدة الحركة الوحيدة في الجبال كانت احترام المكان. واجهت أنواعًا مختلفة من الثعابين الضخمة التي تهوى التهام القرود، وكانت حيلتي الوحيدة معها… (سورة الفلق). شعرت بالسباع حولي، لكنني نادرًا ما رأيتها. وأمتلك في صوتي بحّة عميقة، كان يصرّ أحد أعمامي أنها بسبب ذئب تسبب بها لي حينما رآني. كان يعتقد بالأسطورة التي تقول: إن الذئب إذا اقتفى الإنسان يجعله مبحوح، حتى لا يستطيع الصراخ حين يهجم عليه.

مضت الحياة… وبقيتُ شخصًا يهوى السير وحيدًا، يحب الصمت، لا يمانع الحديث، ويستمتع بالحديث مع الغرباء.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

«أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ!»