هل تعرف قصص الندوب التي تحملها؟
يقول طاهر الزهراني في إحدى قصصه القصيرة
جدًا: «يعرف كلَّ قصص الندوب التي في جسده، لكنه نسي كيف بُترت يده!» تذكّرتُ هذه
القصة أثناء جلسة سهر باذخة مع أبناء القرية، الجميع يعرف قصص الندوب التي يحملها،
ويعرف كيف نشأت.
الندوب شيءٌ يتعلّق بالماضي، وهي على خلاف الشامات
أو الوحمات التي كان العرب قبل الإسلام يتفرّسون بها المستقبل، وكانت إحدى أشهر
علوم العيافة لديهم، ولكن مع الشفاهة فُقدت بالكامل كل طُرق هذا العلم، ولم يبقَ
إلا خبرها.
نحن ورثنا جيلًا كانت حياتهم عبارة عن عِراكات
يومية، كان لا يمضي اليوم دون جولة مصارعة واحدة على الأقل، ولأتفه الأسباب؛ عدم
ردّ السلام منها، عدم حبس الأغنام أثناء عبور قطيع أغنام آخر منها، صراع مفتعل بين
جملين، يتطوّر عادةً إلى صراع بين مُلّاك الجملين، لأن أحدهم قرّر أن يعصب مع جمله
الذي كاد أن يُهزم، أو حتى صراع من أجل أولوية السقاية عند الآبار.
حتى النساء كنّ يُنشئن جيلًا شديد الشراسة؛
كانت المرأة، حينما يُهزم طفلها، تهدّده أولًا بقطع ثديها الذي أرضعت منه طفلها،
إن لم يعد ويغلب الطفل الذي غلبه، وتذهب معه إلى الطفل وتقف متفرّجة لتشهد العراك،
حتى تمنع أمّ الصبي الآخر من التدخّل، وإلا فإنها ستجد أمرّ مما يجد طفلها الذي
تعرّض لأشنع حالات التحريض وكذلك لكي تضرب طفلها في حال هُزم مرةً أخرى.
رؤوسنا مليئة بالندوب بسبب الحصى ووجوهنا
وأجسادنا كذلك، كان يكتفي الآباء بالإبلاغ عن الإصابة ولا يطلبون العوض، ويطلبون
من الطرف الآخر المعاملة بالمثل في حال تعرّض صبيّ منهم لإصابة مماثلة.
كنّا نذهب مع والدينا في زيارات عائلية
لقراباتنا، وفي أول الزيارة كنّا نتداعى للعراك، وكان جميع الصبية يُقنعون الطرف
المهزوم بالسكوت حتى لا تفسد الزيارة، ويحفّزونه للفوز في الزيارة الأخرى.
كانت هذه الفعاليات هي ما لدينا، أتذكّر في
إحدى الزواجات تداعينا أنا وإحدى قراباتي، الذي أقنعني لأن أعصب معه لقتال صبيّ
آخر فقط لأنه «ثقيل دمّ»، كان المسكين بضعف طولنا، وكان ثقيل الوزن وقويّ البنية،
ولكننا فعّلنا الخطة الأخرى، وهي استعمال الأسنان؛ رحل المسكين بما يقرب الثلاثين
عضةً نازفة.
كنّا لا نعرف، صراحةً، سببًا مقنعًا ومنطقيًا
لكل هذا الغضب الذي يدفعنا لكل هذه العراكات، لكن هذه البيئة التي عبرنا بها جعلتنا
جيل يستطيع العيش تحت الضغط، هو جيل يعرف ويعتاد الانتصارات والهزائم ويتعايش معها
ويعرف دورة حياتها!

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: