الموقف الأخلاقي!

 



 

أصغر أطفالي كرّر مؤخرًا سرد قصة إحدى بطولاته ومعاركه. "تهاوش" مع أحد أبناء خاله، ونجح في حسم المعركة لصالحه نظير الجرأة التي يتمتع بها، وهي جرأة يغذّيها شعوره بثقة إخوته به. لكنه لم يرضَ بهذا الحسم السريع؛ وجد خصمه المسكين نائمًا، فقرّر أن يصفعه بكل ما امتلكه من قوة، فاستيقظ الآخر مذعورًا من الموقف.

الغريب أن القصة لم تنتهِ بانتهاء الحادثة. ظل يعيد سرد الموقف بين الحين والآخر، وكلما طالبته بالتبرير قال: "يستاهل، هو الذي بدأ!". ومثل هذا الموقف يستدعي تدخلًا تربويًا صارمًا. فالحياة أكبر من التدفق المنطقي للأفكار المثالية عنها، وعلينا أن نكون على قدرٍ عالٍ من الوعي بالحدود التي يجب أن نطبّع معها لنعيش، والحدود التي، تحت شروط معيّنة، يجوز أو لا يجوز أن نتجاوزها مهما امتلكنا من مبرّرات.

وظيفة الآباء صعبة. نحن نلقّن، ونصوّب، ونصحّح كثيرًا من الأشياء بطريقة تحتاج إلى صبرٍ طويل للغاية. لا علينا. كما تقول الـ Newark Times عن الفلاسفة: إن التعاسة لديهم ليست حالة، بل مهنة. أحب الحكمة، لكني لست فيلسوفًا. سأحاول فقط أن أضع الموقف في سياقه.

مِن قصة طفلي يسهل أن ننتقل إلى ما يشبهه من السلوك الانفعالي المبالغ فيه عند الكبار، كما يحدث عند الساديين مثلاً. حيث يُبرر جنوحهم لسلوكهم المريض، وأي شخص يخرج عن الحالة السوية إلى فرط الشعور بالإثارة بسبب مشاعر جياشة لا يمكن تمييزها، وإذا أوغل في سبر أغوار النفس، وُجد الشعور بالذنب يعبث ويعثى في الأعماق مثل الخلية السرطانية. المشكلة ليست في الشعور بالذنب ذاته، بل في البنية الأخلاقية التي لم تُحسم حيال الصدمة الناتجة عن الموقف الأخلاقي.

هذا يصل بنا إلى مثال أكبر، إلى سورين كيركجارد (توفي بعمر 42 عامًا تقريبًا)، الذي قدّم إنجازات عظيمة، وقبل الثلاثين أنجز عمله الأسطوري البديع Either/Or. لكن خلف هذه الطاقة الغريبة كان يقف هاجس ثقيل؛ كان يعلم أن والده جدّف يومًا، وأنجب سفاحًا خارج إطار الزواج، وكان الأب يؤمن بأنه ملعون، وأن خلاصه يكمن في أن يأخذ الله أبناءه السبعة قبل بلوغ كل واحدٍ منهم سن الرابعة والثلاثين، تماماً كما حدث مع المسيح. المفارقة اللافتة أن خمسةً من إخوة كيركجارد قضوا كما توقّع الأب، وبقي هو وشقيقه.

مشاعر الذنب والخوف من المواقف الأخلاقية ليست بالضرورة سلبية، لكنها مصدر قلق خطير إن لم تُعالج بوعي. الشعور بالذنب والربكة الأخلاقية قد يكون محفزاً، وقد يكون مثبطاً. والفارق ليس في الشعور ذاته، بل في كيفية تأويله.

يُقال: "لا توجد ظاهرة أخلاقية، بل يوجد تأويل أخلاقي للظواهر". أخلاقية الحدث أو الموقف لا تنفصل عن طريقة النظر إليه، والتأويل، كما يرى السفسطائيون، حق للأقوى؛ وكل الحقوق تكمن في القوة. وهنا السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل الإنسان يصنع أخلاقه، أم أن أخلاقه هي التي تصنعه؟

على سبيل المثال، في القواعد القانونية يمكن تضييق أو توسيع حدود الحكم بالخطأ والصواب بحسب طبيعة «الأمر». تدخل معلومة إلى ساحة الحق فتبدّل الأحوال. هذه المعلومة ليست إلا تأويلًا قويًا، قويًا إلى درجة يصعب مع هذه القوة الرفض، وقد يكتسب قوته من صاحبه أو من سلطة تقف خلفه. لا توجد مسؤولية أثقل من مسؤولية المعرفة؛ فهي تجعلنا مسؤولين عن أحكامنا وتبريراتنا واستدلالاتنا. وبطريقة أو بأخرى، سنختار تقويض علاقتنا بالمعرفة لأن الحقائق لا تُحتمل دائمًا. الأخطر في المعرفة هو جانبها الحِجاجي؛ فهو يمنح الوجاهة، والوجاهة تمنح الإقناع، والمقنع يبدو صائبًا، وليس شرطًا أن يكون كل مقنع صوابًا.

المعضلة اليومية التي نواجهها تكمن في إدراك التناقض بين العالم الذي نعرفه، والعالم الذي نتصوره، والعالم الذي نعيشه، وبين تأثيرنا وتصرفاتنا في كل ذلك. وإذا فشلنا في إدراك هذه التناقضات، فإن المصير سيكون أحد أمرين: إما أن نفقد حبنا للحياة، أو أن نفقد أنفسنا بمحاولتنا السيطرة على هذا السيل الجارف. والحياة فرصة، ومن يريد اقتناصها يحتاج إلى تحديد واضح وسريع لموقفه الأخلاقي في كل لحظة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها

«أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ!»