عن البيوت، نعيش فيها أم تعيش فينا!

 


حينما أعود بذاكرتي للأعماق، وأنزِلُ إلى غورها، أعرف بأني أتذكر أول منزل عشت فيه على أطراف الربع الخالي جنوبًا. كنت أزجي الأرق حينما كنت طفلاً بإغلاق عيناي بقوة، حتى أصير أرى ما يشبه White Noise الذي يظهر على شاشات البث التناظري، وما يُقال إنه إشعاع الخلفية الكونية. لذلك، كلما أغمضت عيناي بقوة، تذكرت المنزل الأول:

 

كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَأْلَفُهُ الفَتى،

وَحَنينُهُ أَبَداً لأَوَّلِ مَنزِلِ.

 

أتذكر نوافذ ذلك المنزل، شكل الشوارع خارجها، منظر الغروب من خلالها، ركضي العبثي في ذاك البيت، وأغلب التفاصيل الصغيرة والكبيرة. بالتأكيد، أغلبكم كحالي يتذكر تفاصيل كهذه. استجرار الذاكرة عمل عصيّ عن الوصف.

 

لا أخفيكم أنني أحيانًا أحاول الحصول على صور بالأقمار الصناعية لذلك المنزل، أحاول التطفل لأرى أيًا من التفاصيل اليومية للمكان عبر السناب شات، لكن لا أحد يُصور. ربما لا أحن إلى ذات المنزل، ربما أكون استجدي الحصول مجددًا على شعور لم أعشه في غير ذاك المكان، فبقي البوصلة والصلة التي تصلني به.

 

بيوت كثيرة لاحقًا مررت بها، أسقف كثيرة تأملتها جيدًا قبل أن أنام، جدران كثيرة حبست كوابيسي وارتعاشاتي، وأبواب كثيرة دلفت منها ولم أعد لها على الإطلاق. أتذكر منزل جدي لأبي، منزل عتيق مبني بالأحجار. جربت النوم على سطحه، وعرفت أغلب السرديات عن أحداثه. كما أتذكر أغلب البيوت الكثيرة الأخرى التي عرفتها: منها بيت جدي لأمي بكل التفاصيل الفنية التي حرص عليها، بيوت قرابتي في جدة الذين لم تعد لدورهم أي أثر. بعض البيوت الأخرى التي أعرفها بقيت، ولكن أصحابها رحلوا، أو من المحال أن يجتمعوا معًا.

 

تخيل أن تجوب الأماكن التي سبق وعبرت بها، فقط لأنك كنت مع أحدهم قد رحل عنك، أو رحلت منه، ولكن لا يزال هناك شعور غامض يتحجرج في صدرك لا تستطيع الفكاك منه، شعور يربطك عاطفياً بالبيوت. يعاني الأيتام والمطلقون والأرامل من هذه اللزمة الغريبة. تمر بمكان كنت فيه مع أحدهم، ويصبح مذاق الهواء والشعور به مختلفًا، وتنظر للأشياء بعين قلبك وذاكرتك، لا بشكلها المرئي العابر من خلال عيناك، وعن المشاعر بالتأكيد ستكون أيضًا تمزج الحلاوة بالمرارة، وتحرك في الصدر أشياء لا يجب أن تتحرك.

 

أمر البيوت مريب وغريب أيضًا. حتى الشمس والقمر تجريان لمستقر لهما، كما أن الله أوحى للنحل أن يتخذ من الجبال بيوتا. وحتى الجن تسكن البيوت! الحيوانات بمختلف أنواعها تألف وتسكن الأماكن، ولديها بيوتها!

 

مما يثير الانتباه قول الله تعالى في سورة هود:

"وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (6)

كلمتا "المستقر" و"المستودع" تربطان بين المكان الذي يستقر فيه الشيء حيًا، والمكان الذي يُستودع فيه ميتًا.

 

أتذكر أنني قرأت أن بخوفيتش، في المفاوضات بشأن الحرب، اقترحوا عليه وطنًا بديلًا، فقال: "بيوتنا فوق الأرض، وقبورنا تحتها، لن نتنازل عن أرضنا". ولهذا تولد الصلة الغريبة مع الأماكن، صلة حميمة مجهولة وغريبة الدوافع. بل والسبب إننا، وبطريقة أو بأخرى، نتنفس رفات أسلافنا، ونخلطه مع مواد البناء، لأنه يتحلل حيويًا ويعود حيويًا لنفس المكان الذي عاش ودُفن فيه.

 

أمر آخر لا أحد سبق وتحدث عن أن البيوت أيضًا تألف، تحب، وربما تعشق أو تكره زوارها، كونها الأقدم، والأطول عمرًا من أي شخص يمكن أن يقطنها. نعرف أن الشؤم في ثلاث، ومنها البيت، لكن لأحد فكر كيف يكون الشؤم؟ نعرف مثلاً شكل الأرق، لكن لا أحد يفكر: ربما الغرفة التي أحاول النوم فيها متعكرة المزاج، وربما تحتاج أن ارتحل عنها إلى أخرى. ربما يحتاج أحد أن يعدل نظام بيته ليتعدل نظام عالمه الخارجي، كأن يبدل مواقع الأثاث، يغير مكان ساعة الحائط، يفعل أي شيء، المهم أن يتحرك، ويحرك حياة البيت.

 

لا أخفيكم أن أكثر اللحظات إزعاجًا بالنسبة لي هي الارتحال عن الأماكن. في مسلسل Friends كانت الحلقات المزعجة بالنسبة لي هي حلقة ارتحال أحدهم عن الشقة، لعلّكم تذكرون بكاء شخصية ريتشيل لإنها ستترك المكان. يزعجني حقًا المرور بالبيوت المهجورة، خصوصًا في القرى التي ارتحل عنها أصحابها. الجميع يتحدث عن المكتبات التي يموت أصحابها، وتم إنشاء جمعية للعناية بها، لكن لا أحد يعتني بالبيوت. لا أحد يمكن أن يخصص جمعية لسقاية أحواض الريحان، لإضاءة الأنوار، أو لإطعام القطط التي تحيط بالبيت. يبقى البيت ليتطفل عليه الغبار، ويسرع من تحلل تفاصيله.

 

شاهدت مؤخرًا فيلم Sentimental Value. كانت علاقة نورا بالبيت القديم علاقة غريبة. في الفيلم، تحدث السارد الخلفي بأن البيت بني منذ مدة طويلة، مرّ على إحدى الغرف، وقال إن مالك البيت الأول مات فيها، وفي ذات الغرفة تزوج أبناؤه، وفي ذات الغرفة انتحرت إحدى الوريثات قبل أن يؤول إلى آخر. ومن شخص إلى شخص، كان المنزل شاهدًا على الحياة والموت، ولحظات السعادة والبؤس.

 

خلاصة الأمر: البيوت تحتاج إلى غاية الامتنان، وكل الحب. مهما كان شكل بيتك وطبيعته، لابد أن تعرف أنك عابر به. فأحسن الزيارة، واترك أثرًا جيدًا في سجل زواره.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها

«أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ!»