المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2025

"حيث يمرّ الآخرون مرور الكرام، أجدني لا أزال واقفاً"

صورة
  لم يكن لودفيغ فتغنشتاين فيلسوف تقليدي بقدر ما كان فيلسوف الصراع مع الذات. فيلسوف متورط وجودياً في معنى حياته، كان يرى أن فهم الحياة لا يتم إلا عبر المرور من جهة الموت، لذلك لم يكتفِ بتأمله من بعيد، بل اندفع لعيش التجربة نفسها، حيث تسقط المفاهيم وتبقى الحقيقة عارية. تنازل عن كرسي التدريس، وأعلن بوضوح مؤلم قائلاً: "لا شيء أصعب من أن لا يخدع الإنسان نفسه." هرب من الحياة الأكاديمية، ومن التلاميذ، ومن الحلقات الفلسفية الشهيرة في عصره، لأنه لم يكن يريد أن يشرح الفلسفة، بل أن يعيشها كأسلوب حياة. كان يرى التفلسف نضال دائم ضد الطريقة التي تسحر بها اللغة العقل، فتجعله يظن أنه فهم بينما هو لم يفعل. قال إن اللغة أداة نرسم بها العالم، ثم عاد ليصحح نفسه بإن اللغة لا تُفهم في ذاتها، بل بحسب استعمالها. وانتهى إلى أن اللغة ليست مرآة للواقع، بل لعبة تخص الخطاب، وأن "اللعبة اللغوية" أكبر من السياق وأوسع من التداولية، لأنها تشتمل عليهما معًا داخل شبكة من الممارسات وأنماط العيش، بل إنها أكبر من اللغة ذاتها. ما حاول إيصاله هذا العبقري هو أنّ من لا يفهم اللعبة اللغوية سيظن أن الآخ...

أصالة الذروة في بنية الكون، أن تُخلق النهاية مع البداية في آنٍ معًا!

صورة
  Caspar David Friedrich - Die Lebensstufen (ca. 1834) كطالبٍ كان يجلس سعيدًا في حصص الديناميكا الحرارية، لأنه رسميًا بدأ يتعلّم الهندسة الميكانيكية، لم أكن أعلم أنني أدخل بقدميّ إلى أحد أعظم دروس التاريخ. لم يعلّمني أحد ذلك، لكن بدا لي لاحقًا أنني وضعت يدي على مفتاح يسمح لي بأن أفهم الأشياء أكثر، وأدركها أعمق، بل وأتنبأ بها إلى حد ما. كان المحاضر مملًا؛ يمتلك مؤخرة كبيرة تجعل من وقوفه للشرح مهمة شاقة عليه، وصوتًا أكثر مللًا من حضوره، وأسلوبًا لا يليق بمادةٍ تحتاج إلى خطيبٍ وفيلسوف، وربما رجلٍ رشيق يهتف ويكبّر ويهلل وهو يشرح قوانين الديناميكا الحرارية. ومع ذلك، كانت الفكرة أكبر من الشرح. ما استوقفني وما أنا بصدد الحديث عنه هو مخطط الأطوار الفيزيائية، الذي سيصبح لاحقًا وفي منظوري مخطط الأطوار لكل شيء. يشرح هذا المخطط كيف تُخزَّن الطاقة في المادة حين تغيّر حالتها الفيزيائية (صلب – سائل – غاز)، أثناء عمليات التحول المختلفة (انصهار، تجمد، تبخر، تكثف، تسامي، ترسّب). الفكرة المبهرة فلسفيًا تكمن في نقطةٍ تقع عند قمة هذا المنحنى، تُسمّى النقطة الحرجة أو نقطة التحول. وهي حالة لا تختفي ...

تزجية العمر!

صورة
  لم تكن نهاية أسبوعي هذه المرة كسائر الأسابيع. لعلّي مصاب بما يمكن تسميته متلازمة الإنجاز ؛ إذ أجد صعوبة حقيقية في البقاء دون عمل أُنهيه. لا أعرف سرّ هذا الركض الدائم، لكني ابن القرية، وفي القرية يجب أن يكون للمرء عملٌ ما ينجزه. تقادَم عمري، رغم حداثة ملامحي، وأشعر باستهلاكٍ حقيقي. في إحدى جلسات السلام مع الذات قررت أن أمارس كل شهر طقسًا خاصًا أسميته: طقس اللا شيء . كانت الفكرة ثقيلة في بدايتها، ثم جاء ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه أن تأمّل الأشياء المجرّدة هو أجمل أيامي على الإطلاق. جلست مرة أراقب أطفالي. لدى الجميع ما يشغله، باستثناء أصغرهم؛ يركض، يتشقلب، يلاكم الهواء، يمرّ بي ليعانقني على عجل، ثم يعود مرة أخرى ليصفعني لأني نهرته وطلبت منه الهدوء. لا شيء لديه ليفعله. وحين يلتزم الهدوء أرتعب، وأُعدّ العُدّة للسهر، خوفًا من أن تكون أصابته نوبة حُمّى. أتساءل: ما الذي يسرح فيه طفل حين تسرح عيناه؟ إلى أين تشرد أفكاره؟ قد نظن أن الفكرة عظيمة، لكن حين أُقاطع شروده يخبرني بأمرٍ ساذجٍ جدًا… لكنه كان يشغله. أتذكر أجدادي قبل ثورة الاتصالات والبث الفضائي. كان موعد العشاء بعد صلاة المغرب، ينتظرو...

سياسة العقل: لماذا يصير العقل أحياناً عبئاً على صاحبه؟

صورة
  مختلفُ المواقفِ الحياتية تؤكّد حقيقةَ عدمِ وجود أغبياء، ولكن لم توجد بعدُ الظروفُ التي تحتم علينا رؤيةَ ما يملكون من ذكاء. ذاتُ الأمر ينطبق على الثقافة مثلاً؛ حينما يكون الفرد ضمن مجموعةٍ تعرف جيداً لعبةَ البودل، أو سباقاتِ السيارات (24 ساعة تحمّل)، سيكون بينهم أخرقَ تماماً حينما لا يستطيع المشاركة، وربما يثير الأمر في داخله نوعاً من استهجان الذات لعدم معرفته بما يلهب حماسة غيره. في صباحات أحد الأيام، أثناء الطريق إلى المدرسة، كان أطفالي يناقشون خطة المنتخب ولماذا خسر أمام الأردن، ومن مِن المفترض أن يذهب إلى دكة البدلاء، ومن يفترض به أن ينزل إلى الملعب، وكنتُ بينهم مثل الأطرش في الزفّة، أنظر إلى ملامحهم المنفعلة بشدّه واستغراب.   قد تكون الأفكار لدى الآخرين بديهيةً لأنهم اختبروها، وتم اختبار مسارات التفكير فيها في عقولهم، بينما عند آخرين لا تزال تلك المسارات الفكرية على حالها، ولم تعمل بعد. العقل أقوى وأكثر إعجازاً مما نعرف؛ وصل التطرف بالبعض إلى القول أنّ الخطأ لا يمكن أن يصدر عن عقل، بل يصدر عن جهل!   كيف تتبدد قوى العقل؟   - العقل حينما لا يتم إعما...

عن استحالة فهم الأداة التي يفترض أن نفهم بها الاشياء!

صورة
  في أواخر العام 2019 أعاد الدكتور عبدالله السفياني نشر مقطع للشيخ صالح آل الشيخ يتحدث فيه عن كتاب نهج البلاغة. كنت في تلك الفترة ألتهم الكتب مثلما تفعل النار، وظننت العمل المشار إليه عملاً سهلاً، مع أنّ تأسيسي القرائي كان في الأعمال الأصولية، وظننت نهج البلاغة سيكون مثلها. لكن بعدما أمضيت ليلة كاملة أقلب فيها الكتاب استسلمت، وانكسرت أيضاً، وقررت أن أعكف على دراسة اللغة. بحثت كثيراً، وأوغلت فيها دون أن أصل إلى فهم واضح لهذه الأداة العجيبة التي نفكر بها ونتواصل بها ونقيم علاقتنا بالوجود بها. كما يقول فريمان: إنّ المفردات التي نمتلكها تحدد أفكارنا، كأنما تكون حصيلتنا اللغوية هي سقف أفكارنا. اللغة ـ بكل ما تحمله من خوارق ـ شيء عصيّ على الإدراك الكامل. اللغة أداة نصف بها الوجود، وقد تكون في بعض الأحوال أداة نستشفه بها، بل وقد تكون أيضاً أداة تُحدِث بها الأشياء، فكما نسمع ونقرأ ونعرف بأنّ نقوله يكون، وأنّ الأقدار موكولة بالمنطق. لا توجد طريقة لنقد اللغة، بل علينا أن نمنحها الدهشة التي تستحقها، أكنّا نقرأ متناً فلسفياً أو قصيدة أو قصة أو فكرة. عبر اللغة تتقاطع عوالمنا؛ يقاطع عالمُنا ال...

لا تنسى الاستمرار في التحقق من سرديتك الذاتية!

صورة
إن حدث ومررت بكتاب "المحاضرة الأخيرة" لراندي بوتش – الرجل الذي كان يحتضر وقرر وضع خلاصة حياته في محاضرة أخيرة، من أجل أطفاله الذين سيفوته نقل تجربته لهم. ستجد أن راندي أفرد فصلًا عن أحلام الطفولة. الأحلام بكيفيةٍ ما تصبح محور ارتكاز لتحديد شكل الهوية. صرخة سقراط الشهيرة (أيها الإنسان: اعرف نفسك!) كانت خلاصة ومحصلة حياة شخص يعرف بقرب خروجه من العالم بسبب سمّ الشكران الذي أُجبر على شربه. يعرف الإنسان ذاته حينما يستطيع تحديد ما يريد. الغاية والأحلام والآمال تحدد المعنى أو العكس، والمعنى يحدد حجم همّة صاحبه. الغايات بكل الطرق قادرة على تحديد شكل السلوك والمسار الذي سننتهجه في الحياة. لهذا ولزامًا على الإنسان أن يعيد في كل مرة ضبط غاياته. لا أحد مهما علا شأنه سيستطيع الانفصال عن أحلام ورغبات الطفولة، وأعد بنفسك مراقبة وتقييم مواهبك ومهاراتك، ستجد رغبات الطفولة وأحلامها حاضرة وبقوة وأدت بك إلى ما أنت عليه. يقول المخرج لويس بونيول في سيرته: "غالبًا ما يمر طيف حياتي أمامي كأنها لحظة، ومع ذلك تبدو لي الحياة طويلة جدًا ويبدو الطفل الذي فعل هذا لا علاقة لي به!" التطور الواع...

على سبيل الجدل: المبدع لص يرفض الإقرار بذلك!

صورة
كنت أشاهد لقاءً للموسيقي العبقري هانز زمير، وصرّح بكل صراحة وثقة قائلاً: "موسيقاي ليست أصلية، موسيقاي محصلة كل شيء سمعته في حياتي!" وتذكّرت كل جدل نقدي يثور عن مسألة السرقة، يثور بداخلي الجدل عن حقيقة الإبداع نفسها: هل الإنسان حقاً مبدع؟ شرط الفن الأصالة، بمعنى استحداث الكيفية على غير صورة سابقة، لكن حينما نعيد النظر لهذا الأمر (فكرة الأصالة والإبداع)، لا نجد ولن نجد حالة أصيلة. فيكو الذي أحب أن أحيل إليه كثيراً، والمفاهيم التي أشار لها بشأن استحالة تطور أي شيء خارج الحالة الطبيعية، وحاول الإيحاء إلى فكرة أن الشعر محاكاة لغة الآلهة، واللغة البليغة محاكاة الشعر، محاولةً للوصول لنقاء اللغة المقدسة. لاحقاً، هايدغر وبورخيس وحتى دريدا ضمنياً كانت لديهم أفكار قريبة من هذا المعنى. سأعطي مثالاً آخر عن الأويديسة وهرومويوس مثلاً، والكم الهائل من الآلهة والصور فيها: هل تكون كلها وليدة عقل عبقري واحد؟ أم أن الأساطير تولد أساساً في الأحلام؟ وهي تكملة لعملية معالجة العقل للظواهر الطبيعية التي تعسر عليه فهمها! لا تنتهي ريبة الفن هنا؛ الفن السريالي مثلاً، فن فان جوخ وحالته الذهانية... وو...

فرانكنشتاين – فكرة التمرد

صورة
القصص التي يتم فيها خلق الإنسان خارج نسق الخلق الإلهي تتكرر عبر الثقافات بوصفها أسطورة التمرد الكبرى؛ ذلك التوتر الأزلي بين قدرات الإنسان وحدودها، بين رغبته في أن يكون خالقًا، ووعيه بأنه مخلوق. ومن هنا يتقاطع فرانكنشتاين مع سلسلة طويلة من الحكايات التي تناولت فكرة "الخلق الثاني"، أو "الخلق الاعتباطي" الذي يقوم به بشر لا يرضون بحقيقة وجودهم. يتجلى خلق آدم كفعل إلهي خالص: مادة من طين، ونفخة من روح. هذه الثنائية الطين والروح أصبحت نموذجًا أصيلاً يقاس عليه كل "خلق ضعيف وناقص" يظهر لاحقًا في الحكايات والأساطير. والتفاصيل التي ترد عن سريان الروح في الجسد تمنح الصورة بعدًا دراميًا، كأن الإنسان يولد وهو يميل للسقوط، ويستند على عصا مُعجّلة، ما يرمز إلى هشاشة الوجود منذ اللحظة الأولى. فيقال إن الروح أول ما بُثّت في رأسه، ثم بدأت تسري من الأعلى نحو الأسفل، حتى يقال إنه حينما وصلت الروح إلى جذعه حاول بطبيعته العَجِلة أن يستقيم، وكاد أن يسقط، لكن الملائكة عاجلته بعصًا من الجنة ليستند عليها، وكان آخر ما سرت فيه الروح قدماه. ويقال إن الموت حين يقترب حقًا من الإنسان ...

الذِّكرى اليوميّة لخروج آدم من الجنة.

صورة
أفيق كل صباح وأنا أستجمع كل بقايا ما لديّ من آمالٍ وأحلام، بالطبع لا أُحاكم إرادتي لأنني سأكون منشغلاً بالإنصات لأطفالي وهم يقرأون حِرز الصباح، وتأمّل طفلتي التي تسير سارحةَ البال نحو مدرستها التي تحبّها بالطبع، قبل أن أعلق صامتاً في الزحام، أوزّع بصري بين خمس اتجاهات (اليمين واليسار والأمام والخلف وبالطبع عجلة القيادة ولوحة القياسات). لا وقت لديّ لأحاكم إرادتي، لا وقت لديّ لأستمع لشيء، لكني بالطبع أحبّ تأمّل الأفلاك التي تدور سريعاً في رأسي دون أتفه محاولة مني للسيطرة عليها. أحبّ التطفّل بنظري إلى السيارات المجاورة، أحبّ أن أُولِّد مثلاً احتمالات الكلمات في لوحات التسجيل التي تخصّها، أحاول أن أجمع جبرياً أرقام اللوحات حتى أصل لرقم واحد فقط، أحاول معرفة الأرقام التي تتكرّر في اللوحات التي تمكّنت من حساب أرقام لوحاتها، أحاول معرفة عدد السيارات المتشابهة التي مرّت بي أو مررتُ بها، أحاول معرفة مغزى الأمر، أسرار التكرار؛ فالصدفة كما أعتقد هي غاية الانتظام، لكننا عاجزون عن التقاط نظام عملها.   أقضي يومي منهمكاً في مهامي وواجباتي، وأتطوّع لإعطاء رأيي في الأسواق المالية لإخوتي وأصدقائ...