ستار الغيب!


اللحظة المريبة الأقسى التي يمكن أن أشعر بها هي لحظة استقبال المولود الأولى. هذا الكائن الغريب والجديد، المتعالي، الذي ينظر إلى الأشياء بنصف عين، ولا يخفي انزعاجه من أي شيء؛ من نسمة الهواء، أو رطوبتها، أو أي إحساس يعبره. يمسك بأي شيء بقوة، رغم كل ما فيه من ضعف، كأن نزعة التملك فيه أقدم من وجوده ذاته.

 

لا تنتهي أسئلتي عند هذا الحد. لحظة رؤيته الأولى تربكني، لأن لدي من القلق ما يكفي لأوزعه على البشر جميعًا. كيف سيكون قدره؟ كيف سيكون رزقه وحياته الاجتماعية؟ كيف سيتحدث، وكيف ستتشكل القصص التي سيحكيها؟ أين سيكون موقعه على خارطة الحياة؟ من سيكونون أحباؤه وأعداؤه؟ من ستكون شريكته، وكم سينجب بدوره؟ لكن السؤال الأكثر إزعاجًا يظل دائمًا: كيف ستكون نهايته؟

 

نتطلع إلى المستقبل بلهفة، نتمنى نافذة نطل منها، ولو للحظة، على ما ينتظرنا. لكننا نادرًا ما نسأل الأسئلة الأصعب: مصائر أحبائنا، كيف ستكون خساراتنا، ومتى ستندلع، وكيف ستمر بنا ونمر بها.

نحن كائنات أكثر هشاشة من أن نُمنح القدرة على رؤية ما وراء ستار الغيب، ولولا هذا الجهل لما استطعنا أن نعيش. بل لعل هذا الجهل هو ما يسمح لنا بالاستمرار. كم من قصيدة حب ما كانت لتُكتب لو عرف صاحبها نهاية قصته منذ البداية، وكم من رواية ما كانت لترى النور لو عرف كاتبها نهايته. تخيل لو عرف ماركيز مثلاً أن اسمه سيُخلّد في تاريخ الأدب، بينما سيؤول به الأمر إلى ألا يعرف نفسه!

 

الخبر الجيد: ليغلب عليك اليقين بأن الله كتب على نفسه الرحمة قبل أن يكتب قدرك. هذا أول ما ينبغي أن يستقر فيك. وثانيه أن تدرك أنك لن تستطيع تغيير المسار الذي تمضي فيه الحياة؛ لا يمكن اعتراضها، وإن لم تسر معها، ستمر فوقك وتحطمك. وثالثه أن ترضى بالأيام كما تأتي، تبذل لها أقصى ما تستطيع، ثم تترك نتائجها لمن بيده نواصي الأمور. ورابعه أنه إذا ساورك القلق، فتذكر ما قاله من لا ينطق عن الهوى، إذ ترك لك ما لن تجده في جميع مدارس العالم، ومنها قوله: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل." والمعنى: أنت مطالب بثلاثة أمور: أن تكون قويًا، وأن تسعى نحو القوة والكمال، وأن تبذل غاية أسبابك. فإن بارت أسبابك، فلا تلم نفسك، وتذكر أن قدر الله أكبر من إرادتك، وأن ما كتبه لك لم يكن ليخطئك.

 

وقوله: "ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزنٌ، فقال: اللهمَّ إني عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزني، وذَهابَ همِّي، إلا أذهبَ اللهُ همَّهُ وحزنَه، وأبدلَه مكانَه فرجًا" والمعنى أنه إذا ضاق بك صدرك أو حدث لك ما يسوئك، فاهرع إلى هذا الدعاء. ففيه وعد خفي بأن الضيق لا يدوم، وأن الفرج الذي سينتفي معه الضيق كأنه لم يكن شيءً حتميًا قادم لا محاله.

 

هذا كل شيء.

كتبت لأن يومًا صعبًا مرّ بي، ومن لطف الرحيم تجاوزناه.

 

تعليقات

  1. ياسلام عليك...نظرة بنكهة رواقية. مقال قصير و خير مثال على أن خير الكلام ما قل و دل

    ردحذف

إرسال تعليق

التعليق:

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها

«أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ!»