المشاركات

الجمال، امتدادٌ أصيلٌ لحياتنا الآخرة!

صورة
    أتذكّر امرأةً مسنّةً عمياء، أُصيبت بالعمى في فترةٍ مبكرةٍ من عمرها، كانت تُقدّس الذهب، وتتزيّن بالحُليّ في المناسبات، وتحبّ الملابس المزركشة، وتسأل عن ألوانها، وتتحسّس ملمسها، وكانت تحبّ أن تخضّب يديها بالحنّاء. ليست هي الوحيدة التي كانت تهتمّ بجمالها؛ فأحد المسنّين كان أرملًا وطاعنًا في السن، ويعيش وحيدًا، لكنه كان أنيقًا، ويتفاخر بـ(نزاهته/نظافته)، وله رائحةٌ تشبه رائحة الأطفال، وأسنانُه ناصعةُ البياض، ورائحةُ رأسه وثيابه رائحةٌ منعشة؛ لأنه يضع في جيوبه، وتحت عمامته، المسك والريحان والبِرك والكادي إن تيسّر له.   لا يقتصر الأمر على المسنّين، بل حتى الأطفال أيضًا؛ إذ أراقب الحسّ الجمالي عند الأطفال، وطريقة تنظيمهم للأشياء، واختيارهم لملابسهم، وأحرص شخصيًا على تدريب أطفالي على الإعلان عن تفضيلاتهم الجمالية، وتحفيز استقلالية أذواقهم. وبالإمكان أيضًا رؤية هذا الحسّ عند الأكشاك والأسواق؛ تأمّل أوجه الآخرين، باختلاف خلفياتهم وعرقياتهم وأحوالهم المادية، حينما يختارون ملابسهم أو عطورهم وأشياءهم، فبالتأكيد لديهم تصوّراتهم وخيالاتهم الخاصة عن هيئاتهم حينما يختبرون الأش...

"الكاتب إنسان مريض" المبدعون عمومًا!

صورة
  تعرفتُ إلى عوالم رنا قباني من خلال عملها البديع "أساطير أوربا عن الشرق!". ومن شدة إعجابي بالعمل بدأت أبحث في سيرتها وأبحث عن لقاءاتها، وكانت في أحد اللقاءات مع محمد رضا نصر الله قالت حكمها الذي في العنوان بين القوسين. وأنا أعي وأتفق تمامًا مع ما قالت. عوالم الكُتّاب والمبدعين عوالم مرضية، دعكم من المظاهر الخارجية، واستمعوا لما يقولونه هم عن أنفسهم. سفر الدغيلبي يقول في إحدى قصائده: "أربع سنين أجحد غرابيل الأتعاس!". صدقوني، لا يوجد شخص يحب أن يكون مثيرًا للشفقة، لكن الإبداع لا يتمخض عن حالة طبيعية للعقل، ولو حدث ووجدت مبدعًا سعيدًا فعليك أن تتحسس مسدسك، فقد تجد نفسك أمام دعيّ أو منتحل، أو شخص ساعدته الظروف لكي يوحي للآخرين بالإبداع، بينما هو ليس كذلك! كم عدد مشاهير المبدعين من رواد أعمال وكُتّاب وفنانين وسياسيين وغيرهم ممن لازمتهم أزمات عقلية ونوبات سوداوية وحالات صرع: نابليون بونابرت، يوليوس قيصر، نبوخذ نصر، فرجينيا وولف، ليو تولستوي، وفيودور دوستويفسكي... إلخ. ستجد القائمة طويلة للغاية. نسيتُ أيّ فقهاء الصوفية الذي قال في إحدى تعليمات السلوك: "لا خلوة ...

كيف يمكن أن يشكل الذكاء إهانةً للآخرين!

صورة
  أحد الأصدقاء يستمع لأي شيء تقريباً، الموسيقى التصويرية للأفلام أو الإعلانات التجارية، أغاني عربية أو غربية أو هندية أو فارسية، شخص يعرف ما يريده سمعه، فينسجم مرةً مع الإيقاع، ومرةً مع اللحن، ومرةً مع الكلمات، المهم أنه يعرف كيف ينسجم مع أي شيء ! ذات مرةً خرجت معه وكان يستمع لأغنية عرفت لاحقاً أنها لفنان عراقي اسمه قاسم السلطان، واسم الأغنية (حرامات) أغنية تراجيدية ليست لافتة في ذاتها ولكن ما استوقفني وجعلني أتذكرها جملة وردت فيها (غيري وياك كان أشطر!) لتجعلني هذه الجملة أفكّر في الشطارة والشُطّار . الذكاء هِبة عصيّة عن التبرير، النبوغ، الدهاء، العبقرية، هنالك ذكاء عادي قد تجده لدى الشخص البسيط حينما تتأمل طريقة عمله، وهنالك ذكاء ألمعي صاعق، يجعلك تشعر بالشفقة على نفسك . في الأفلام مثلاً تتكرر جملة (توجد متعة في اكتشاف الخدعة، لكن توجد متعة مضاعفة في خِداع المخادع!) هنالك أشخاص يفهمون الفكرة وهي (طايرة) لكن هنالك أشخاص يفهمونها (قبل أن تطير!) السفسطائيين يقولون بأن الحق للأقوى، أو الحق يكمن في القوة. وعند فيكو على ما أظن؛ يقول بأن الضعيف يريد القوانين حتى تحميه من سطوة...

الأرشيدوق الذي (لا يحذف ولا يُقرِّب حصى!)

صورة
  مؤخرًا، في حال كنت تحضر الفعاليات الاجتماعية، سترى كيف يحاول الناس تعظيم انطباعات الآخرين عنهم؛ هنالك من يبالغ في تنميق الكلمات، وهنالك من يتزلّف ويتملّق الآخرين بطريقة مثيرة للقرف، وهنالك من ساعدته أوضاعه المادية أو المسميات الوظيفية على المساهمة في تضخيم صورة ذاته عند الآخرين. والأمر، للحصيف، في غاية البساطة؛ لا ينخدع بالمظاهر إلا الأحمق، العاقل يرى الجوهر، يميّز الدوافع، ولا ينخدع بسلوك الآخرين، ويعرف المصلحة الدافعة للموقف.   أمتلك من الصراحة ما يكفي لكي لا أكون وقحًا وأقول رأيي دون خجل. أحد الأقران، في إحدى المناسبات، كان يلبس نظارة شمسية مع مشلح، ويتكئ على عكاز خشبي أغلب خامته من الفضة، كان المظهر غريبًا. حينما سلّمت على الجميع واقتربت منه، قلت له: (أخبار سيادة الأرشيدوق؟) باللهجة المصرية. مضى الموقف، ولم أتوقع أن يعود إليّ ليعرف معنى كلمة "أرشيدوق". أكملت متهكمًا بمنع استخدام لفظة "شيخ" نظامًا، لذلك فإن لفظة "أرشيدوق" لا تزال متاحة، وأنها مناسبة له، خصوصًا مع المشلح والعكاز الفضي!   في حال شاهدت فيلم (الكونت مونت كريستو)، سترى أن شخصية إدم...

انتبه لنفسك!

صورة
  لطالما ردد الأحباء على مسامعنا تلك الجملة العفوية التي لا نلقي لها بالاً، وكأنها مجرد توديع عابر: "انتبه لنفسك!". لكنني، كلما تأملتها، اجدها وصية حكيم، أو لربما ومضة نبي من الأنبياء الذين لم يذكرهم التاريخ. ماذا يعني حقاً أن تنتبه لنفسك؟ هل يعني أن تتأبط سيفاً وتتجول به على كتفك حذراً من العالم؟  الجواب الأرجح هو أن تراقب وجودك، وتميّز مشاعرك، وتقيس تفاعلك مع الأشياء من حولك وأثرها عليك. حينما أتأمل تجربتي الحياتية القصيرة، ولا يحق لي وصفها بالغنية، لأن قياس غنى التجربة الوجودية نسبي لا يُقاس بمعيار واحد، ألم التجربة، وأثرها، وخلاصتها، والتحول الناتج عنها وغير ذلك، أشياء تقاس نسبة لها عمق تجربة العبور في الحياة.   أدرك أنني أمتلك طابعاً متأملاً للأشياء. أستطيع تمييز المواقف المربكة، وأمتلك من الثبات ما يجعلني أرى ربكة الآخرين قبل أن يروها في أنفسهم. لا أدّعي أنني الصديق الجيد، ولا الأب الجيد، ولا الزوج الجيد، لكني، وبكل ثقة، "إنسان جيد"، وهذا اليقين البسيط هو ما يسند علاقتي بذاتي ويسعدني حتى الآن. الوجود في جوهره هشّ، والإنسان أشد هشاشة من وجوده، لدرجة أن ...

اللؤم… وما أدراك ما اللؤم!

صورة
  كنتُ، لسنواتٍ سبقت دخولي الجامعة، أرى رجلًا مسنًّا تحت وهج الشمس يجابه وعثاء الطريق، لا لشيءٍ إلا ليُوصل إحدى بناته إلى الجامعة. لم يكن من ذوي السعة، ولم أكن أعرف تفاصيل ما يثقل كاهله، لكن ملامحه كانت تقول ما لا يُقال؛ تعبٌ قديم، وصبرٌ طويل، وآمال معلّقة على الغد. كان له أبناءٌ ذكور، غير أنهم كانوا صغارًا، متأخرين عن أن يكونوا له عونًا. فكان يمضي وحده، يحمل مسؤوليته كما يحمل الإنسان ظلّه: لا يراه أحد، لكن هذا العناء لا يفارقه. تخرجت ابنته، وتوظفت. وتغيّر المشهد، أو هكذا ظنّ. فرح الرجل، لا بالوظيفة وحدها، بل بما وراءها: سندٌ يُخفف ضغط الحياة، ويدٌ تمتد حين تشتد الأيام. كما يقول الناس: "يهزّ به الزحمة". وذات يوم، احتاج مبلغًا يسيرًا يُعينه على يومه. لم يطلبه طلب مستجدي، ولا على سبيل دين، بل طلبه كما يطلب الشريك من شريكه؛ بقدرٍ من الألفة، وبشيءٍ من الحقّ المشترك في همّ الحياة. فجاءه الردّ قاسيًا، لا في مقداره، بل في معناه. ضاعفت ابنته المبلغ عشرين مرة، ثم وضعته بين يديه وقالت: "هذا حق تعبك معي… ولا عاد تطلبني." في تلك اللحظة، لم يكن المال هو ما سقط من يده، بل شيء...

لماذا يتوجب عليك الاطلاع على أعمال جيامباتيستا فيكو وميشيل دي مونتين؟

صورة
  التأسيس شيء، والبناء شيء آخر تمامًا. فالمعرفة الإنسانية لا تُفهم إلا بوصفها تراكمًا تاريخيًا؛ تبدأ بالأبجدية قبل أن تصبح لغة، وبالأدوات قبل أن تصبح فنًا، وبالمفاهيم قبل أن ترتقي إلى نظريات. لا يمكن أن تفهم شيئًا ما لم تدرك المفاهيم التي سبقت بناء الفرضيات، التي تمهّد لفهم النظريات، قبل أن تصبح الأشياء أقرب إلى مسلّمات علمية لا يكاد يعتريها الشك. هناك من امتلك السبق في حقول الكتابة، وامتلك أدواتها الكافية لكي يرصد ويُلخّص فهمه للمفاهيم التي كان يفكر بها معاصروه. المرء، حينما يفهم، يتسامح مع فجاجة الآراء والحقائق. المعرفة عملية صعبة؛ المعارف التي تنتج تؤلم، ولا يمكن الشعور تجاهها بالراحة، وغالبًا ما تزعزع مالكها الجديد قبل أن يتصالح معها. من هنا، تكتسب قراءة أعمال فيكو ومونتين ضرورتها؛ فالأول يسير بك عبر التاريخ ليفكك نشأة الأفكار، بينما يعيدك الثاني إلى ذاتك لتختبر كيف تتشكل هذه الأفكار في الوعي. مع فيكو يبدو العالم وكأنه ينتظم في خط، لكنه في العمق يدور في دورات تعيد إنتاج نفسها، أما مونتين فلا يمنحك طريقًا، بل يضعك في قلب التجربة ذاتها. المعرفة عند الاثنين ليست راحة، بل زعزعة...