الجمال، امتدادٌ أصيلٌ لحياتنا الآخرة!
أتذكّر امرأةً
مسنّةً عمياء، أُصيبت بالعمى في فترةٍ مبكرةٍ من عمرها، كانت تُقدّس الذهب،
وتتزيّن بالحُليّ في المناسبات، وتحبّ الملابس المزركشة، وتسأل عن ألوانها،
وتتحسّس ملمسها، وكانت تحبّ أن تخضّب يديها بالحنّاء. ليست هي الوحيدة التي كانت
تهتمّ بجمالها؛ فأحد المسنّين كان أرملًا وطاعنًا في السن، ويعيش وحيدًا، لكنه كان
أنيقًا، ويتفاخر بـ(نزاهته/نظافته)، وله رائحةٌ تشبه رائحة الأطفال، وأسنانُه
ناصعةُ البياض، ورائحةُ رأسه وثيابه رائحةٌ منعشة؛ لأنه يضع في جيوبه، وتحت
عمامته، المسك والريحان والبِرك والكادي إن تيسّر له.
لا يقتصر الأمر على
المسنّين، بل حتى الأطفال أيضًا؛ إذ أراقب الحسّ الجمالي عند الأطفال، وطريقة
تنظيمهم للأشياء، واختيارهم لملابسهم، وأحرص شخصيًا على تدريب أطفالي على الإعلان
عن تفضيلاتهم الجمالية، وتحفيز استقلالية أذواقهم. وبالإمكان أيضًا رؤية هذا الحسّ
عند الأكشاك والأسواق؛ تأمّل أوجه الآخرين، باختلاف خلفياتهم وعرقياتهم وأحوالهم
المادية، حينما يختارون ملابسهم أو عطورهم وأشياءهم، فبالتأكيد لديهم تصوّراتهم
وخيالاتهم الخاصة عن هيئاتهم حينما يختبرون الأشياء.
ينطبق الأمر على
الطريقة التي نزيّن بها منازلنا، والتي نختار بها مفارشَنا وأثاثنا، وكلّ التفاصيل
التي يمكن أن ترتبط بحياتنا؛ فنحن نمارس على الدوام تفضيلاتنا الجمالية بوعي،
لكننا بالكاد نعي دوافعها!
لكن، هل توجد
كائناتٌ أخرى تُقدّر الجمال؟ هل يمكن أن يملك العنكبوت تصوّرًا عن مدى جمال نسيجه،
أو طائر الغراب عن جمال سواده، أو الناقة المُصِحّة عن الطريقة اللافتة التي تسير
بها، أو الأسد حينما يشقّ طريقه بثقة؟ بالتأكيد لا، فهي كائنات تمارس الجمال كجزءٍ
طبيعيٍّ وأصيلٍ من هويتها وذواتها.
في قريتي قططٌ
سوداء برّية بعيونٍ زرقاء! بالكاد أقمت صداقةً مع أحدها، واستطعت أن أجعله يألفني.
ويبدو أنها ترتعب من البشر؛ لأنهم يبدون شغفًا زائدًا تجاه جمال سوادها وعيونها
الزرقاء.
أحبّ فكرة بخوفيتش
عن الجمال، وأنه نوعٌ من العزاء، تمامًا كفكرة الخلاص. ما الراحة التي ننشدها، وما
معيارها، إذا كنّا لا نعرف إلا الكدر، وألم العضلات، وهموم تدبير أيامنا؟ الجمال
عند بخوفيتش هو فكرةٌ ورثناها عن آدم - الأب الذي خرج من الجنّة، والذي عاين
الأشياء في صورتها الكاملة تمامًا - وكأنّ فكرته هذه فكرةٌ تأسيسيةٌ عن الفنّ؛
لذلك، فإن كلّ شعورٍ تجاه الجميل والجمال هو نوعٌ من الحنين الموروث لتجربةٍ لم
نعشها بعد: تجربة الجنّة.
الجمال يلمس
الحواس، والجميل يلمس الروح، وكلّ جميلٍ يثير في دواخلنا سحناتٍ مختلفةً من الحزن،
أو الإهانة، أو الحماسة أيضًا. هنالك جمالٌ يمنحك أملًا في الحياة، وهنالك جمالٌ
يذكّرك بالحرمان.
أخيرًا، كلّ
الأشياء جميلةٌ حينما ننظر إليها بالطريقة التي تناسبها؛ فالنار في الشتاء جميلة،
والأشجار التي تحرقها الصواعق جميلةٌ في سياق مشهد الجبل الأخضر، والشامة السوداء
على بعض الخدود كذلك. كما أن عدالة الله، جلّ وعلا، اقتضت ألّا يُحرمَ شيءٌ من
الجمال بشكلٍ مطلق؛ فالغرابة هي الوجه الآخر للجمال، والدهشة به هي الوجه الأول.
كما أنّ الجمال داعٍ من دواعي التأمّل، وأن تتأمّل التناسب والتفارق في تفاصيل
الشيء الجميل، وأن الجمال هو إحدى وسائل الترفيه في رحلة العبور، ويعيد تحفيزنا
بمدى أهميّة الوِجهة.
هذا كلّ شيء...
- الصورة لسكن مهجور في وادي دُو في بلاد زهران، وتظهر على الجدران
الرسومات الجمالية التي قاومت مرور ما يزيد عن خمسون عاماً.

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: