انتبه لنفسك!

 




لطالما ردد الأحباء على مسامعنا تلك الجملة العفوية التي لا نلقي لها بالاً، وكأنها مجرد توديع عابر: "انتبه لنفسك!". لكنني، كلما تأملتها، اجدها وصية حكيم، أو لربما ومضة نبي من الأنبياء الذين لم يذكرهم التاريخ.

ماذا يعني حقاً أن تنتبه لنفسك؟ هل يعني أن تتأبط سيفاً وتتجول به على كتفك حذراً من العالم؟ 

الجواب الأرجح هو أن تراقب وجودك، وتميّز مشاعرك، وتقيس تفاعلك مع الأشياء من حولك وأثرها عليك.

حينما أتأمل تجربتي الحياتية القصيرة، ولا يحق لي وصفها بالغنية، لأن قياس غنى التجربة الوجودية نسبي لا يُقاس بمعيار واحد، ألم التجربة، وأثرها، وخلاصتها، والتحول الناتج عنها وغير ذلك، أشياء تقاس نسبة لها عمق تجربة العبور في الحياة.

 أدرك أنني أمتلك طابعاً متأملاً للأشياء. أستطيع تمييز المواقف المربكة، وأمتلك من الثبات ما يجعلني أرى ربكة الآخرين قبل أن يروها في أنفسهم. لا أدّعي أنني الصديق الجيد، ولا الأب الجيد، ولا الزوج الجيد، لكني، وبكل ثقة، "إنسان جيد"، وهذا اليقين البسيط هو ما يسند علاقتي بذاتي ويسعدني حتى الآن.

الوجود في جوهره هشّ، والإنسان أشد هشاشة من وجوده، لدرجة أن تقلبات الحياة الخفيفة قادرة هزّ أركانه. الوحيد الذي يتفوق على الحياة، بل ويتفوق على نفسه، هو من يستطيع أن يجعل من نفسه كل يوم أثقل وزناً من سابقه؛ فوزننا النهائي يُقاس أخيراً بما نراكمه من خبرات وذكريات، وهكذا نكون.

تتجلى هذه الهشاشة بوضوح فيما يُعرف بـ "أزمة منتصف العمر"، والتي تبدأ عادة في أوائل الثلاثينات. وقلة محظوظة من الناس هي التي تمرّ بهذا المخاض العسير للتحول الجديد للروح في هذه المرحلة العمرية. وهي بالمناسبة أزمة حقيقية للغاية، تقف جنباً إلى جنب مع الاكتئاب و"البياض النفسي". فإذا كان سؤال أزمة منتصف العمر هو: "لماذا؟"، وجواب الاكتئاب هو: "التعب!"، فإن حقيقة الأزمة الثالثة هي: "عدم القدرة على المحاولة أكثر لمطابقة التصورات عن الواقع!".

هذا التباين بين التصورات والواقع قاد حكماء التاريخ إلى حيرة كبرى. يُنقل عن النبي سليمان عليه السلام في تأملاته العميقة لحال الدنيا قوله: "كل شيء باطل، ما فائدة الإنسان من أي عمل يتولاه تحت الشمس؟ الحكمة العظيمة تنطوي على الحزن العميق، ومن يزدد علمًا يزدد أسًى!". هذا العبء المعرفي المضني هو ذاته الذي دفع أديباً بحجم تولستوي، للتعبير عن حقيقة ربكة الإنسان أمام وجوده حين قال عن نفسه في "آنا كارنينا": "لم يعد عندي شك أني ككل كائن حيّ لن أُصيب في الدنيا غير الألم وغير الموت والفناء. فإما أن أجد لغزاً للحياة وإما أنّ انتحر!".

يعيش الإنسان حياة مجردة حينما يشعر في لحظة ضعف وهشاشة، أن القيم والأخلاق ليست إلا تفضيلات للآخرين الأكثر قوة. وحينما يشعر أن الحياة تحابي من يشبهها؛ وكما يقول أحدهم: "الحياة نزال يتصارع فيه الجميع بالتساوي، لكن الحياة تنحاز وتضحك وتفضّل من يشبهها!". هنا يجد الإنسان نفسه يركض كأعمى في أرض مظلمة مليئة بالأشواك، تتقاذفه تيارات الأفكار: ما بين القلق الذي وصفه كيركجارد بأنه "وعينا بحريتنا", والغثيان الذي اعتبره سارتر "تجربة الوجود", والخيارين البائسين اللذين وضعهما شوبنهاور أمامه: "الوحدة أو الابتذال".

الخبر السيء الذي يؤسفني زفّه، هو أن عنايتك المُفرطة بذاتك، أو زهدك المُفرط في وجودك، لن ينقذاك من هذا الألم. أي محاولة للهروب من هذه الربكة المزعجة ستزيدك تفككاً، وتجعلك كخيوط عنكبوت في مهبّ الريح!

الخبر الجيد والحقيقة الرائعة أن هناك متغيراً حاسماً، وملاذاً وحيداً لتهدئة هذا القلق: مهما حاولت إشاحة بصرك عن هذه الحقيقة أنت تحتاج إلى رحمة ربك.

وحينما تعي هذا الاحتياج وتلمس شعور رحمته بك، ستعرف معنى العزة والكرامة والتفضيل على سائر الأشياء. أن تدرك أن الله خلقك، ويقدر عليك وعلى كل الأشياء، وأنه أرحم بك من نفسك. يربيك بالنعم تارة، وبالبلاء تارة أخرى، لكي تفهم علاقتك به. إن شكرت زادك، وإن أنكرت ونسيت فضله عليك، فلا تلومنّ أحداً سوى نفسك.

الحياة، في نهاية المطاف، أسهل بكثير من كل التصورات المعقدة التي بنيناها بأنفسنا عنها. كل ما تحتاجه لتعيش سعيداً هو أن تعرف حقوق الله عليك وتلتزم بها، وأن "تنتبه لنفسك"، وتعي بوجودك وتتأمله بإيجابية، وأنّ تعيش في اللحظة التي أنت فيها، وأن .. تستمتع!

أخيراً..

من يفرط في مراقبة الوجود أكثر من اللازم، سينسى كيف يعيشه.

وهذا كل شيء...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها

«أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ!»