الأرشيدوق الذي (لا يحذف ولا يُقرِّب حصى!)
مؤخرًا،
في حال كنت تحضر الفعاليات الاجتماعية، سترى كيف يحاول الناس تعظيم انطباعات
الآخرين عنهم؛ هنالك من يبالغ في تنميق الكلمات، وهنالك من يتزلّف ويتملّق الآخرين
بطريقة مثيرة للقرف، وهنالك من ساعدته أوضاعه المادية أو المسميات الوظيفية على
المساهمة في تضخيم صورة ذاته عند الآخرين. والأمر، للحصيف، في غاية البساطة؛ لا
ينخدع بالمظاهر إلا الأحمق، العاقل يرى الجوهر، يميّز الدوافع، ولا ينخدع بسلوك
الآخرين، ويعرف المصلحة الدافعة للموقف.
أمتلك من
الصراحة ما يكفي لكي لا أكون وقحًا وأقول رأيي دون خجل. أحد الأقران، في إحدى المناسبات،
كان يلبس نظارة شمسية مع مشلح، ويتكئ على عكاز خشبي أغلب خامته من الفضة، كان
المظهر غريبًا. حينما سلّمت على الجميع واقتربت منه، قلت له: (أخبار سيادة
الأرشيدوق؟) باللهجة المصرية. مضى الموقف، ولم أتوقع أن يعود إليّ ليعرف معنى كلمة
"أرشيدوق". أكملت متهكمًا بمنع استخدام لفظة "شيخ" نظامًا،
لذلك فإن لفظة "أرشيدوق" لا تزال متاحة، وأنها مناسبة له، خصوصًا مع
المشلح والعكاز الفضي!
في حال
شاهدت فيلم (الكونت مونت كريستو)، سترى أن شخصية إدموند دانتيس، بعد أن كانت شخصية
أميّة لا تعرف شيئًا عن الأناقة والثقافة، حرصت غاية الحرص على أن يكون الانطباع
الأول عند عودته في غاية الفخامة. كان يعي ويعرف ما يعنيه المظهر للحمقى فالعالم
سوق كبير وسخيف للمظاهر والأوهام!
العرب
كانوا في حالة تباين شديدة من هذا السلوك؛ تارةً يقولون إن المروءة في (الرياسة
والفصاحة ونظافة/أناقة الثياب)، وتارةً يقولون إنه (لن يسود الرجل حتى لا يبالي في
أي ثوب خرج للناس!)، بل وعند أهل الجرح والتعديل كان يُقدح في أمانة من يبالغ في
التجمّل والتأنق، ويُعاب على من يُكثر الإطناب، ويُمتدح العيّ أحيانًا.
ولم
ينتهِ الأمر عندهم هنا، فقد كانت التعليمات صارمة للغاية بأن (لا يُعطى الولاية
طالبها!)؛ لأنه قد يستخدم ما يصحبها من مظاهر في أحوال غير نزيهة.
عند
العوام، حينما يسألون عن شخص، يتأكدون من أربع: (مروءته، وجيرته، وهل يؤثر على
نفسه، ويمكن أن يُقرض المال حتى لو لم يكن لديه "يقترض ليُقرض"، وهل
وقفاته ثابتة وصادقة، بمعنى أنه لا ينحاز لحظ الطرف الآخر، ولا يتزحزح عن وقفته
مهما ساءت الظروف). وهذه أشياء نادرة في هذا الزمن؛ قلّما تجد عدلًا ينصفك، قلّما
تجد من يحفظ غيبك وظهرك، ويمكن أن تأمنه على الجوانب المظلمة التي تحاول سترها
منك، دون أن يستخدمها أو يقدّمها كأوراق رابحة ضدك يومًا ما!
الأمر لا
يقتصر على المواقف الاجتماعية؛ هنالك متصنّعون في كل الأماكن تقريبًا. في عوالم
الثقافة والكتب، ستجد من يحفظ الكثير من الاقتباسات، ومن ينفق أموالًا كثيرة
لتضخيم حجم المكتبة حتى تصبح خلفية جيدة للتصوير. هنالك من يعي ويعرف أن الثقافة
مدخل إلى عوالم النخب، ولكن ستنخدع بمثل هذه المظاهر النخب الغبية، ولو كانت فعلًا
النخب وأصحاب المال والقرار تنخدع بمثل هذه المظاهر، لانتهى العالم قبل اختراع
الطباعة الآلية.
أتذكر
حديث أحدهم معي عن شخص آخر أعرف جيدًا بسطحية وضآلة أفكاره، وكان يتحدث عنه بحماس.
قلت له: كيف عرفت عنه؟ وأجابني بأنه رأى ما لديه من الكم الهائل من الكتب!
على
العكس، رأيت أثرى أثرياء الناس يخرجون إلى المجتمعات العامة في ثياب عادية،
ينتعلون حذاء "سكتشرز"، ويلبسون ساعة يد عادية، وأعظم الكتّاب ومن
يكتبون بلغة مؤثرة يضعون في جيوبهم أقلامًا عادية توجد في أي بقالة. وشاهدت من
أكثر الرجال نفوذًا كذلك، باستثناء أحدهم كان أنيقًا في حدود المعقول، وكان حتى
لصلاة الفجر يخرج وفي جيب صدره لونين من الأقلام "أخضر وأحمر"، يردفهما
بجوار بعضهما.
بطريقة
أو بأخرى؛ يقول James Baldwin في
كتاب "لا أحد يعرف اسمي!"... ذلك التصادم بين صورة الإنسان عن نفسه وعن
حقيقته هو تصادم مؤلم جدًا، وهنالك شيئان بإمكانك فعلهما تجاهه: بإمكانك أن تواجهه
وتحاول أن تصبح ما أنت عليه فعلًا، أو بإمكانك أن تنسحب لتحاول البقاء داخل نطاق
تصورك عن نفسك، وهذا مجرد خيال، سوف تهلك فيه حتمًا!
هذا كل
شيء ...

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: