"الكاتب إنسان مريض" المبدعون عمومًا!
تعرفتُ
إلى عوالم رنا قباني من خلال عملها البديع "أساطير أوربا عن الشرق!".
ومن شدة إعجابي بالعمل بدأت أبحث في سيرتها وأبحث عن لقاءاتها، وكانت في أحد
اللقاءات مع محمد رضا نصر الله قالت حكمها الذي في العنوان بين القوسين. وأنا أعي
وأتفق تمامًا مع ما قالت.
عوالم
الكُتّاب والمبدعين عوالم مرضية، دعكم من المظاهر الخارجية، واستمعوا لما يقولونه
هم عن أنفسهم. سفر الدغيلبي يقول في إحدى قصائده: "أربع سنين أجحد غرابيل
الأتعاس!". صدقوني، لا يوجد شخص يحب أن يكون مثيرًا للشفقة، لكن الإبداع لا
يتمخض عن حالة طبيعية للعقل، ولو حدث ووجدت مبدعًا سعيدًا فعليك أن تتحسس مسدسك،
فقد تجد نفسك أمام دعيّ أو منتحل، أو شخص ساعدته الظروف لكي يوحي للآخرين
بالإبداع، بينما هو ليس كذلك!
كم عدد
مشاهير المبدعين من رواد أعمال وكُتّاب وفنانين وسياسيين وغيرهم ممن لازمتهم أزمات
عقلية ونوبات سوداوية وحالات صرع: نابليون بونابرت، يوليوس قيصر، نبوخذ نصر،
فرجينيا وولف، ليو تولستوي، وفيودور دوستويفسكي... إلخ. ستجد القائمة طويلة
للغاية.
نسيتُ
أيّ فقهاء الصوفية الذي قال في إحدى تعليمات السلوك: "لا خلوة إلا بفكرة، ولا
فكرة إلا بخلوة". وبعيدًا عن المعنى الصوفي للخلوة، فإن مواجهة الذات عمل
مرعب؛ قلّما تجد شخصًا يتصالح مع وحدته ويقدر على مواجهة وحش الذات الشرس!
العملية
الإبداعية هي الشيء الذي تشعر أمامه بالضآلة والعادية؛ الفكرة الإبداعية أكبر من
أن تخرج من عقل عادي دون مخاضٍ عسير. في كتابٍ نسيت عنوانه اقتنيته في 2004، كانت
المؤلفة تزعم بأن العقل قادر على السيطرة على مليون رابط محتمل في لحظة واحدة،
وكانت تدّعي أن ذاكرة العقل ضخمة للغاية لدرجة أنها قادرة على اختزان أعداد جريدة
وول ستريت اليومية لستة مليارات سنة.
العملية
الإبداعية شيء ينبع من الأعماق، شيء خارق للطبيعة والشعور. التقصّد والتكلّف
والتعجّل أشياء تناقض طبيعة العملية الإبداعية. هنالك أوقات للجهد، وهنالك أوقات
للاسترسال واللامبالاة.
كتاب آخر
نسيته يقول إن أفضل الصدف والأفكار تحدث أثناء اللعب، أثناء السير العبثي دون هدف.
دونالد ترامب في "فن الصفقة" ألمح لهذا، وغيره الكثير من المدهشين
تحدثوا عن عامل غريب لا يمكن تبريره أو تفسيره.
أما في
مبادئ توجيه الفكر السليم، فقد كان رينيه ديكارت يوصي بممارسة نوع لطيف من اللعب،
وهو تأمل النظم البسيطة؛ بمعنى أن تتأمل النظام في الأشياء وتحاول إيجاد طريقة
انتظامها والنظام الذي يربط بينها. أسس البوذيون مثلًا فكرة غريبة مفادها:
"أن لكل فوضى نظامًا خلّاقًا يحكمها!". الهدف من هذه الفكرة عند ديكارت
هو تمرين مسارات الأفكار، وبالتالي ستجد الأفكار تسقط من اللاوعي إلى الوعي بسهولة
ودون مخاضٍ عسير.
حدّة
النقد والإفراط في مراقبة المزاج والذات أشياء منفّرة للحالة الإبداعية. الأفكار
الكبيرة لا تخرج من العقل بسهولة، ومن المرهق للغاية أن تحاول حصر تيار النهر
ليخرج من ميزاب تصريف المطر من على الأسطح. السوداوية والمزاجية الحادة والنوبات
الفضيعة من الكآبة والانطوائية ليست أعراضًا مرضية عند المبدعين بقدر ما هي تمهيد
لشيء أكبر، وهو الإبداع، وليس بالضرورة أن يكون هذا شرط.
خلاصة
الأمر: حاول أن تتعلم كيف تفرّق بين الوقت الذي تجالد فيه ذاتك لكي تكون جادًا في
التقصّد في مساعيك، وبين الأوقات التي يجب عليك أن تسمح لروحك أن تسترسل، وكن
منتبهًا لها. مارس أفعالًا إيجابية، دوّن أفكارك، ومرّن يديك وعضلات مخك، وأطلق
ساقيك للريح، واسمح لحواسك بأن تمارس دورها، ولعلك تجد الإيقاع الجميل حينما ينسجم
مع ما يتلاقاه من الخارج، وما يحدث في حديقته الخلفية.
هذا كل
شيء...

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: