اللؤم… وما أدراك ما اللؤم!
كنتُ،
لسنواتٍ سبقت دخولي الجامعة، أرى رجلًا مسنًّا تحت وهج الشمس يجابه وعثاء الطريق،
لا لشيءٍ إلا ليُوصل إحدى بناته إلى الجامعة. لم يكن من ذوي السعة، ولم أكن أعرف
تفاصيل ما يثقل كاهله، لكن ملامحه كانت تقول ما لا يُقال؛ تعبٌ قديم، وصبرٌ طويل،
وآمال معلّقة على الغد. كان له أبناءٌ ذكور، غير أنهم كانوا صغارًا، متأخرين عن أن
يكونوا له عونًا. فكان يمضي وحده، يحمل مسؤوليته كما يحمل الإنسان ظلّه: لا يراه
أحد، لكن هذا العناء لا يفارقه.
تخرجت
ابنته، وتوظفت. وتغيّر المشهد، أو هكذا ظنّ. فرح الرجل، لا بالوظيفة وحدها، بل بما
وراءها: سندٌ يُخفف ضغط الحياة، ويدٌ تمتد حين تشتد الأيام. كما يقول الناس:
"يهزّ به الزحمة". وذات يوم، احتاج مبلغًا يسيرًا يُعينه على يومه. لم
يطلبه طلب مستجدي، ولا على سبيل دين، بل طلبه كما يطلب الشريك من شريكه؛ بقدرٍ من
الألفة، وبشيءٍ من الحقّ المشترك في همّ الحياة. فجاءه الردّ قاسيًا، لا في
مقداره، بل في معناه. ضاعفت ابنته المبلغ عشرين مرة، ثم وضعته بين يديه وقالت: "هذا
حق تعبك معي… ولا عاد تطلبني." في تلك اللحظة، لم يكن المال هو ما سقط من
يده، بل شيءٌ كُسر في نفسه. وقال لها: "خلي مالك لك… ولا بارك الله لك
فيه." ولا أعلم ماذا جرى بعد ذلك، لكن ما أعلمه يقينًا أن تلك اللحظة لم تكن
عابرة؛ كانت فاصلة، كأنها سطرٌ انتهى، وابتدأ بعده سطرٌ آخر في حياة الاثنين.
ليست
قسوة الحياة فيما تأخذه منك، بل فيما تكشفه لك، فالوفاء نادر والأوفياء أندر!. فالإنسان
قد يحتمل الفقد، لكنه يثقل حين يرى ما لم يكن يتوقع أن يراه، ويكاد يهدم كامل
كيانه ألم اللؤم. ومن يذق شيئًا من اللؤم، يدرك أن الحياة لا تُختصر في الطيبة كما
نحب أن نراها، بل لها وجهٌ آخر، يظهر غالبًا حين نظن أننا في مأمن. غير أن اللؤم
ليس دائمًا طبعًا خالصًا؛ فقد يكون خوفًا، أو ضيق نفس، أو عجزًا عن فهم معنى
العلاقة. لكنه في كل حالاته يترك الأثر ذاته: خيبةً باردة، لا تُحدث ضجيجًا، لكنها
تبقى.
ولعل من
أعمق ما يُربّي عليه الإنسان نفسه، أن يتحرر من التعلّق بالناس. في إحدى البيعات،
أعاد النبي ﷺ على أصحابه العهد، وزاد فيه كلمةً بدت يسيرة في لفظها، عظيمة في
معناها: "ولا تسألوا الناس شيئًا" حتى إن أحدهم كان يسقط سوطه، فلا يطلب
من أحد أن يناوله إياه.
لم يكن
المقصود ترك السؤال مطلقًا، بقدر ما كان تحريرًا للنفس من الارتهان، وصونًا
لكرامتها من أن تُعلّق حاجتها بغيرها. فالإنسان خُلق عزيزًا، وكلما خفّ توقّعه من
الناس، ثقلت وعزّت كرامته.
ويُقال
إن الفارق بين الذئب والكلب ليس في الشكل، بل في الكرامة.
فالكلب
يُهان فيبقى، ويُطرد فيعود، أما الذئب فيجوع، ويصبر، لكنه لا يساوم على طبيعته
الكريمة. ولعل هذا المعنى وإن كان تصويرًا يُقارب شيئًا من حقيقة الإنسان: أن بعض
الجوع أهون من بعض الذل.
وحين
ينظر المرء في آلامه، سيجد أن كثيرًا منها لم يكن سببه ما فقد، بل من الخذلان
والخيبة. أشخاصٌ تبدّلوا فجأة، فصار الجفاء مكان المودة، والقطيعة بدل الوصل،
والنكران بعد العرفان. وحين نحاول تفسير ذلك، لا نجد جوابًا واحدًا يكفي. فالناس
أوسع من أن يُختصروا في سبب، لكن الثابت أن الأصل يظهر عند المنعطفات والأصل غلاب!
غنى عيسى
الاحسائي رحمه الله بلحن حزين كلمات تعلق في البديهة للشاعر علي القحطاني يقول
فيها:
"ردي
الأصل لو شفته صفالك
ترى
الأنذال عشرتها مصايب
ولو
تعطيه من غالي حلالك
ترى
الخايب على ماقيل خايب
إلى صارت
له الحاجه عنالك
ولو
تحتاج له أنت قيل غايب
ويضحك لك
وهو جالس قبالك
وإلا من
صد في أمره غرايب
ويحلف لك
يمين انه صفالك
وهو عن
مشيته ماهوب تايب
وراعي
العيب لوهو من عيالك
ولو هو
من جماعة او قرايب
تراك
برفقته اتعبت حالك
فقله روح
ياعلك بذهايب
فاحذر
يافتى واعرف رجالك
من اللي
ماتزعزعه النوايب
يعله بين
خلق الله جرالك
ومن
عادوه وروه العجايب
فاذكرني
إذا امري بدالك
فيما
قلته ودنيانا عجايب"
مع ذلك،
يبقى لأهل الكرم طريقهم الذي لا يتبدل. يفعلون الصواب، لا لأن الناس تستحقه
دائمًا، بل لأنهم هم كذلك. يقول الشاعر:
"إن
الكرام وإن ضاقت معيشتهم
دامت
فضيلتهم والأصل غلابُ
لله در
أناس أينما ذكروا
تطيب
سيرتهم حتى وإن غابوا
ورب
مكرمة جمعت شمائلهم
صارت لنا
غيثا يسري وينسابُ
لا
يعرفون الشر قيد أنملة
هم دائما
وأبدا للخير أسبابُ
فى قلب
من يلقون تلقى محبتهم
وهم لكل
الخلق صحب وأحبابُ
أولئك
الأخيار قد طابت منازلهم
ميراثهم دائما خُلُق وآدابُ"
ويروى عن
أحد كرام العرب أنه كان يسامر رئيس شرطة بلده، حين أُتي للرئيس بغلامين يحملان
خمرًا، وأحضر الشرطي قنينة الخمر. وحين همّ رئيس الشرطة أن يأمر بسجنهما، قال
الرجل بصوت ثابت: "اعطني الوعاء." فشرب منه وقال: "والله إن هذا
ليس بخمر، هذا ما يصنعه لي أهل بيتي، وما أشربه ولا يشربونه!" فقال رئيس
الشرطة مذهولًا: "آمنت بالله، أفرجوا عنهما." وحين خرج الشرطي
بالغلامين، قال للرجل: "ما عهدناك شارب خمر، ولا حالف فاجرة، فلمَ فعلت
ذلك؟" فأجاب الرجل بهدوء: "كرهت أن يؤخذوا في مجلس أكون فيه!"
خلاصة
الأمر:
اللؤم لا
يأتي دائمًا صارخًا، بل يفصح عن نفسه وعن رداءة أصل صاحبة مع المواقف وفي الكلمات
المقتضبة والردود الباردة. وهو يتكشف في أحوالٍ شتى، قد يكون دافعها الحسد، أو
الخوف، أو حتى مرض العقل وسوء التقدير؛ فاللئيم يغفل عن سنة كونية ثابتة، وهي أن
الأيام دُوَل!
وهذا
اللؤم، مهما اختلفت أسبابه، يكشف أكثر مما يجرح؛ إذ يفرز معادن الناس، ويعيد ترتيب
مسافات القرب والبعد، ليعلّم الإنسان درسًا قاسيًا ولكنه نافع: ألا يُعلّق قلبه
إلا بالحي الذي لا يتبدل، الله جل وعلا. فالمواقف تمضي، لكنها تضع النقاط على
الحروف، معلنةً عن تحولات كبرى في الأرواح والنفوس، وإيذانًا ببدء مراحل جديدة في
الحياة.
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: