اللؤم… وما أدراك ما اللؤم!
كنتُ، لسنواتٍ سبقت دخولي الجامعة، أرى رجلًا مسنًّا تحت وهج الشمس يجابه وعثاء الطريق، لا لشيءٍ إلا ليُوصل إحدى بناته إلى الجامعة. لم يكن من ذوي السعة، ولم أكن أعرف تفاصيل ما يثقل كاهله، لكن ملامحه كانت تقول ما لا يُقال؛ تعبٌ قديم، وصبرٌ طويل، وآمال معلّقة على الغد. كان له أبناءٌ ذكور، غير أنهم كانوا صغارًا، متأخرين عن أن يكونوا له عونًا. فكان يمضي وحده، يحمل مسؤوليته كما يحمل الإنسان ظلّه: لا يراه أحد، لكن هذا العناء لا يفارقه. تخرجت ابنته، وتوظفت. وتغيّر المشهد، أو هكذا ظنّ. فرح الرجل، لا بالوظيفة وحدها، بل بما وراءها: سندٌ يُخفف ضغط الحياة، ويدٌ تمتد حين تشتد الأيام. كما يقول الناس: "يهزّ به الزحمة". وذات يوم، احتاج مبلغًا يسيرًا يُعينه على يومه. لم يطلبه طلب مستجدي، ولا على سبيل دين، بل طلبه كما يطلب الشريك من شريكه؛ بقدرٍ من الألفة، وبشيءٍ من الحقّ المشترك في همّ الحياة. فجاءه الردّ قاسيًا، لا في مقداره، بل في معناه. ضاعفت ابنته المبلغ عشرين مرة، ثم وضعته بين يديه وقالت: "هذا حق تعبك معي… ولا عاد تطلبني." في تلك اللحظة، لم يكن المال هو ما سقط من يده، بل شيء...