المشاركات

«أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ!»

صورة
    يقول الطرطوشي، كما نقل ابن الأزرق في (بدائع السلك): "لعمرُ الله، ما استقامت لي صحبةٌ مع الناس، واسترحتُ من مكابدة أخلاقهم، إلا مذ سرتُ معهم بهذه السيرة!" وهو يعني إنزال (غير المعتدل!) من الناس منزلة الحيوان؛ بمعنى أن تكون عارفًا بالحيوانات والحشرات وطباعها، ثم تعامل غير المعتدل كما لو كنت ستتعامل مع الحيوان المقارن. ضرب ابن الأزرق مثالًا بالطاغي كالنمر، والهاجم على أعراض الآخرين بالكلب، والخبيث بالثعلب، والمرائي لاقتناص الدنيا بالدين بالذئب. راهن ابن الأزرق على جدواها، وأنها تصلح للرئيس والمرؤوس، والأمير والمأمور، وتنفع لجميع الخلق. أما الخطابي، في (العزلة)، فقد نقل عن سفيان بن عيينة تفسير الآية: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38]. قال عنه الخطابي: "ما في الأرض آدميٌّ إلا وفيه شبهٌ من شبه البهائم؛ فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يعدو عدوَ الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلاب، ومنهم من يتطوّس...

ستار الغيب!

صورة
اللحظة المريبة الأقسى التي يمكن أن أشعر بها هي لحظة استقبال المولود الأولى. هذا الكائن الغريب والجديد، المتعالي، الذي ينظر إلى الأشياء بنصف عين، ولا يخفي انزعاجه من أي شيء؛ من نسمة الهواء، أو رطوبتها، أو أي إحساس يعبره. يمسك بأي شيء بقوة، رغم كل ما فيه من ضعف، كأن نزعة التملك فيه أقدم من وجوده ذاته.   لا تنتهي أسئلتي عند هذا الحد. لحظة رؤيته الأولى تربكني، لأن لدي من القلق ما يكفي لأوزعه على البشر جميعًا. كيف سيكون قدره؟ كيف سيكون رزقه وحياته الاجتماعية؟ كيف سيتحدث، وكيف ستتشكل القصص التي سيحكيها؟ أين سيكون موقعه على خارطة الحياة؟ من سيكونون أحباؤه وأعداؤه؟ من ستكون شريكته، وكم سينجب بدوره؟ لكن السؤال الأكثر إزعاجًا يظل دائمًا: كيف ستكون نهايته؟   نتطلع إلى المستقبل بلهفة، نتمنى نافذة نطل منها، ولو للحظة، على ما ينتظرنا. لكننا نادرًا ما نسأل الأسئلة الأصعب: مصائر أحبائنا، كيف ستكون خساراتنا، ومتى ستندلع، وكيف ستمر بنا ونمر بها. نحن كائنات أكثر هشاشة من أن نُمنح القدرة على رؤية ما وراء ستار الغيب، ولولا هذا الجهل لما استطعنا أن نعيش. بل لعل هذا الجهل هو ما يسمح لنا با...

إمساك/إفلات!

صورة
منذ أن عرفت القرية، كان هنالك مسن جاوز عمره المئة عام، يملك حماراً أبيض، كل يوم في تمام الساعة الثالثة عصراً، في الصيف أو الشتاء، مهما كان الطقس، كان يرتحل حماره، ويذهب إلى مزرعة بَعليّة (تزرع فقط على مياه الأمطار) ذات مساحة جيدة اسمها (الغريبية)، لم يكن يعرف القراءة أو الكتابة، ولا يُعرف له أي وسيلة ترفيه أو أي نشاط اجتماعي باستثناء جلوسه عند (الغريبية) حتى تغرب الشمس، زوجته مسّنة كحاله، ولا يعيش معهم في المنزل أحد. كان يجلس على (عِراق) المزرعة ويتأمل التراب، فقط التراب! كأنما يكون راهب بوذي في إحدى شعائره. طيلة عمري كنت وكان أغلب اقراني في القرية يعتقدون أنه يمتلك المزرعة، على الرغم مِن أنه كان يمتلك غيرها الكثير، والكثير جداً، أكثر من أي شخص آخر في القرية، لكن المفاجأة التي دوّت حينما عاد مغترب إلى القرية، وأخذ المسّن يتبرّم كثيراً حول نفسه وهو في حال انزعاج شديدة، لم نلبث كثيراً حتى ذاع الخبر في القرية، فلان (استعاد الغريبية) كان والد الوافد إلى القرية يمتلك المزرعة، واحتاج يوماً إلى (عشرة ريالات) ورهن (الغريبية) وبقيت مرهونة لمدة تزيد عن ستين عام! ستين عام جعلت المسّن يقلل م...

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

صورة
  الاغتراب النفسي، التحولات الشخصية، الصراعات الداخلية، عواصف المفاهيم، دفق المعلومات، الآمال والخيبات، القيود والقدرات، الماضي والمستقبل، كلها أشياء تجاذبنا كضباع تنهش جسد فريسة بريئة. لا أحد يعرف كيف اكتسب الآمال، ولا أحد يعرف من أين تأتيه الخيبات التي تطفئ بهجته بتأمل الآمال الجميلة، لكننا وكل يوم حصيلة الأيام التي تلوكنا بين فكيها، كما يقول الصديق شوبنهاور: الحياة عناء، والخلاص حالة عارضة. دخلت إلى عوالم طاهر الزهراني عبر «الصندقة»، وقرأت «نحو الجنوب» للمرة الأولى في سبيل تعرفي إلى أعماله. ومضت السنين، وشعرت بسحنة كآبة غامرة شعرت بحرارتها في روحي، وذلك لشدة توقي للعودة إلى القرية. كنت أتذكر فقط من رواية «نحو الجنوب» خروج زهران الغاضب والمفاجئ من القرية، وكان المشهد حاضرًا بقوة في بديهتي، ما جعلني أعيد القراءة . نشأت نشأة مزدوجة بين جدة وبين الجنوب، تمامًا في نفس المكان الذي تدور فيه أحداث رواية «نحو الجنوب»، وهذا أحد الأسباب التي جعلتني أعيد القراءة. درست في مدارس البغدادية ومدارس الشعراء. أنا في حالة دائمة ومستمرة من رفض العيش في المدن، لا أحب مطرها الذي لا أستفيد منه إلا الته...

ماذا يمكن أن تتعلّم من اليأس؟

صورة
نقرأ دائماً بأنّ اليأس إحدى الراحتين، واليأس ببساطة هو انتهاء جميع الحلول الممكنة لتحقيق نتيجةٍ مطلوبةٍ. لكن ما هي الراحة الأخرى؟ الأمل مثلاً؟ لأنّ الأمل واليأس قطبان لجوهرٍ واحدٍ، تقابلهما القدرة والإرادة. كم من شخصٍ يمتلك القدرة ولكن تعوزه الإرادة، وكم من مريدٍ تعوزه القدرة وتحول بينه وبين كل ما يريد. يعلّمنا اليأس ترويض الذات، ماذا لو امتلكنا القدرة على الحصول على كل ما نريد؟ ستفقد الحياة بهجتها. كيف سنتوق للخلاص إذا لم نعرف المعاناة؟ اليأس يمكننا من صياغة توقعاتنا وأهدافنا بشكلٍ أفضل، ويجعلنا نتحقق من جوهر ما جُبلت أنفسنا للسعي إليه. وبالمختصر المفيد، يمكن القول إنّ جوهر كل سعيٍ في حقيقته هو الشعور بالسلام، فقط السلام. ولا أظنّ الإنسان وحده هو الكائن الوحيد الذي يسعى نحو السلام، السلام هو العيش بأكبر قدرٍ ممكنٍ من اللذة، ودفع أكبر قدرٍ ممكنٍ من الكدر. هذا التوازن بين اللذة والكدر هو السلام، أن تتوازن محصلة القوى التي تتجاذب حيواتنا. أخيراً، الحياة ليست شقيةً في ذاتها، بل نحن من نجعلها كذلك بأفكارنا عنها. للحياة طريقتها في قبض الثمن، لكل ما نحصل عليه فيها له قيمة؛ قيمة النجاح هي الت...

"من لا تقاضى حيٌّ.. يقمح ليا مات!"

صورة
  حينما تتأمل قصة النبي يوسف عليه السلام، وخصوصاً وصف الله لحاله النفسية: "فأسرّها يوسف في نفسه"، ستمرّ بها مروراً عابراً ما لم تعرف مرارتها. عندها ستدرك أن الحدث ليس هامشياً، وأن ذكره في السياق لجللٍ، لأن الإسرار في النفس مرارةٌ خفيّةٌ لا تُرى. ذات الأمر حينما تتتبّع سير الملوك، فيقال إن أقدر الناس على تقليب جمر الغضب والغيظ في قلوبهم هم الملوك. أما الصديق نيتشه، الذي أصّل في أصل الأخلاق وفصّلها، فكاد أن يجعل الفارق الوحيد بين السادة والعبيد هو القدرة على كظم الغيظ وتأخير ردة الفعل. وحدها الحرية تُقاس بامتلاك الإرادة للفعل، لا بالفعل ذاته. أما ما يُروى عن أبي جعفر المنصور وأخيه عبد الله، قبل أن يصير "عبد الله السفّاح"، فيُروى أنهما حينما كانا طفلين قال أبو جعفر لأخيه، يوصيه بكظم الغيظ وعدم إظهار الغضب، لأنه ــ بحسب وصفه ــ "أذهبُ للحيلة!"، وكأن الحيلة لا تسكن إلا عقلاً بارداً. أما في الجانب الآخر، فلا تظن أن محبتك أو كراهيتك لشخصٍ أغضبك، أو تقاطعتم في طرق الحياة وتصادمتم، بأن غضبك وحبك وكرهك لأحدهم سيتحول إلى صواعق وفيضانات تنتقم لك ممن آذاك. تحت الأرض مل...

"بينما أنت مشغول بوضع الخطط… للحياة خططها."

صورة
  تقاعد زميلي في العمل بعد خدمة طويلة جداً في الشركة. أول ما لفت انتباهي أنه غادر مكتبه للمرة الأخيرة، وترك كوب الشاي الذي اعتاد شربه دون أن يُكمله؛ لم ينقص منه سوى القليل. مشهد بسيط، لكنه كافٍ ليذكّرك بأن للأشياء مسارها الخاص، بعيداً عن نوايانا وترتيباتنا. ولستُ غريباً عن مثل هذه اللحظات. شاهدتُ إنساناً يخلع نعليه حين داهمته أزمة قلبية، قبل أن يسنده الجدار. وذات مرة، أثناء البحث عن مفقود، وجدناه وقد أشعل موقد الغاز، ووضع عليه قدراً، ثم مات قبل أن يطبخ شيئاً. النار كانت ما تزال مشتعلة. هكذا يحتمل الناس بالآمال… وهكذا يرحلون بدونها. أذكر أنني في المرحلة الثانوية كنتُ ذات مساء مع ذود الإبل، وكان هناك رجل في منتصف العقد السادس، لا يكاد يفارق مزرعته. رحّب بي، وأمسك بيدي، وبدأ يرسم مستقبله: "هنا سأبني الغرف، هنا سأضع بترة عدّاد الكهرباء، هنا سأحفر البئر وسيكون الماء عذباً، هنا سنضع سنابل الذرة الرفيعة بعد حصدها لتجف… سأفعل، سأقوم." في اليوم التالي، أخبرنا مدير المدرسة بوفاة والد أحد زملائنا… كان هو صاحب المزرعة. هكذا تسير الحياة؛ تدفعك إلى التخطيط، وربما إلى التنفيذ، ثم تمضي كما ك...