المشاركات

الأرشيدوق الذي (لا يحذف ولا يُقرِّب حصى!)

صورة
  مؤخرًا، في حال كنت تحضر الفعاليات الاجتماعية، سترى كيف يحاول الناس تعظيم انطباعات الآخرين عنهم؛ هنالك من يبالغ في تنميق الكلمات، وهنالك من يتزلّف ويتملّق الآخرين بطريقة مثيرة للقرف، وهنالك من ساعدته أوضاعه المادية أو المسميات الوظيفية على المساهمة في تضخيم صورة ذاته عند الآخرين. والأمر، للحصيف، في غاية البساطة؛ لا ينخدع بالمظاهر إلا الأحمق، العاقل يرى الجوهر، يميّز الدوافع، ولا ينخدع بسلوك الآخرين، ويعرف المصلحة الدافعة للموقف.   أمتلك من الصراحة ما يكفي لكي لا أكون وقحًا وأقول رأيي دون خجل. أحد الأقران، في إحدى المناسبات، كان يلبس نظارة شمسية مع مشلح، ويتكئ على عكاز خشبي أغلب خامته من الفضة، كان المظهر غريبًا. حينما سلّمت على الجميع واقتربت منه، قلت له: (أخبار سيادة الأرشيدوق؟) باللهجة المصرية. مضى الموقف، ولم أتوقع أن يعود إليّ ليعرف معنى كلمة "أرشيدوق". أكملت متهكمًا بمنع استخدام لفظة "شيخ" نظامًا، لذلك فإن لفظة "أرشيدوق" لا تزال متاحة، وأنها مناسبة له، خصوصًا مع المشلح والعكاز الفضي!   في حال شاهدت فيلم (الكونت مونت كريستو)، سترى أن شخصية إدم...

انتبه لنفسك!

صورة
  لطالما ردد الأحباء على مسامعنا تلك الجملة العفوية التي لا نلقي لها بالاً، وكأنها مجرد توديع عابر: "انتبه لنفسك!". لكنني، كلما تأملتها، اجدها وصية حكيم، أو لربما ومضة نبي من الأنبياء الذين لم يذكرهم التاريخ. ماذا يعني حقاً أن تنتبه لنفسك؟ هل يعني أن تتأبط سيفاً وتتجول به على كتفك حذراً من العالم؟  الجواب الأرجح هو أن تراقب وجودك، وتميّز مشاعرك، وتقيس تفاعلك مع الأشياء من حولك وأثرها عليك. حينما أتأمل تجربتي الحياتية القصيرة، ولا يحق لي وصفها بالغنية، لأن قياس غنى التجربة الوجودية نسبي لا يُقاس بمعيار واحد، ألم التجربة، وأثرها، وخلاصتها، والتحول الناتج عنها وغير ذلك، أشياء تقاس نسبة لها عمق تجربة العبور في الحياة.   أدرك أنني أمتلك طابعاً متأملاً للأشياء. أستطيع تمييز المواقف المربكة، وأمتلك من الثبات ما يجعلني أرى ربكة الآخرين قبل أن يروها في أنفسهم. لا أدّعي أنني الصديق الجيد، ولا الأب الجيد، ولا الزوج الجيد، لكني، وبكل ثقة، "إنسان جيد"، وهذا اليقين البسيط هو ما يسند علاقتي بذاتي ويسعدني حتى الآن. الوجود في جوهره هشّ، والإنسان أشد هشاشة من وجوده، لدرجة أن ...

اللؤم… وما أدراك ما اللؤم!

صورة
  كنتُ، لسنواتٍ سبقت دخولي الجامعة، أرى رجلًا مسنًّا تحت وهج الشمس يجابه وعثاء الطريق، لا لشيءٍ إلا ليُوصل إحدى بناته إلى الجامعة. لم يكن من ذوي السعة، ولم أكن أعرف تفاصيل ما يثقل كاهله، لكن ملامحه كانت تقول ما لا يُقال؛ تعبٌ قديم، وصبرٌ طويل، وآمال معلّقة على الغد. كان له أبناءٌ ذكور، غير أنهم كانوا صغارًا، متأخرين عن أن يكونوا له عونًا. فكان يمضي وحده، يحمل مسؤوليته كما يحمل الإنسان ظلّه: لا يراه أحد، لكن هذا العناء لا يفارقه. تخرجت ابنته، وتوظفت. وتغيّر المشهد، أو هكذا ظنّ. فرح الرجل، لا بالوظيفة وحدها، بل بما وراءها: سندٌ يُخفف ضغط الحياة، ويدٌ تمتد حين تشتد الأيام. كما يقول الناس: "يهزّ به الزحمة". وذات يوم، احتاج مبلغًا يسيرًا يُعينه على يومه. لم يطلبه طلب مستجدي، ولا على سبيل دين، بل طلبه كما يطلب الشريك من شريكه؛ بقدرٍ من الألفة، وبشيءٍ من الحقّ المشترك في همّ الحياة. فجاءه الردّ قاسيًا، لا في مقداره، بل في معناه. ضاعفت ابنته المبلغ عشرين مرة، ثم وضعته بين يديه وقالت: "هذا حق تعبك معي… ولا عاد تطلبني." في تلك اللحظة، لم يكن المال هو ما سقط من يده، بل شيء...

لماذا يتوجب عليك الاطلاع على أعمال جيامباتيستا فيكو وميشيل دي مونتين؟

صورة
  التأسيس شيء، والبناء شيء آخر تمامًا. فالمعرفة الإنسانية لا تُفهم إلا بوصفها تراكمًا تاريخيًا؛ تبدأ بالأبجدية قبل أن تصبح لغة، وبالأدوات قبل أن تصبح فنًا، وبالمفاهيم قبل أن ترتقي إلى نظريات. لا يمكن أن تفهم شيئًا ما لم تدرك المفاهيم التي سبقت بناء الفرضيات، التي تمهّد لفهم النظريات، قبل أن تصبح الأشياء أقرب إلى مسلّمات علمية لا يكاد يعتريها الشك. هناك من امتلك السبق في حقول الكتابة، وامتلك أدواتها الكافية لكي يرصد ويُلخّص فهمه للمفاهيم التي كان يفكر بها معاصروه. المرء، حينما يفهم، يتسامح مع فجاجة الآراء والحقائق. المعرفة عملية صعبة؛ المعارف التي تنتج تؤلم، ولا يمكن الشعور تجاهها بالراحة، وغالبًا ما تزعزع مالكها الجديد قبل أن يتصالح معها. من هنا، تكتسب قراءة أعمال فيكو ومونتين ضرورتها؛ فالأول يسير بك عبر التاريخ ليفكك نشأة الأفكار، بينما يعيدك الثاني إلى ذاتك لتختبر كيف تتشكل هذه الأفكار في الوعي. مع فيكو يبدو العالم وكأنه ينتظم في خط، لكنه في العمق يدور في دورات تعيد إنتاج نفسها، أما مونتين فلا يمنحك طريقًا، بل يضعك في قلب التجربة ذاتها. المعرفة عند الاثنين ليست راحة، بل زعزعة...

ترويض الواقع / سياسة الواقع المُعاش!

صورة
    انتهى رمضان، موسم تكون فيه نفوسنا أكثر صفاءً ونقاء. فكما يقال: "البطنة تذهب الفطنة." عملياتنا الفكرية ليست سوى تفاعلات كيميائية تنتج عما تختمره أمعاؤنا. سبق وقرأت في أحد كتب علم النفس أن الانحرافات الفكرية تؤثر على كيمياء الدماغ، وكيمياء الدماغ تؤثر على العمليات الفكرية، والعوام يقولون: ما تأكله يأكلك، المصاب باضطراب فكري يأكل بطريقة سيئة ومن يأكل بطريقة سيئة ستضطرب أفكاره! على غير العادة هذا العام، أصابني إلى حد ما خوف مضاف من الزحام، بالإضافة إلى زيادة كرهي له، وكل ذلك بسبب الحادث المروري الذي صار لي في رمضان. خرجت هذا العام أيضاً من رمضان بغير قائمة أهداف كما كنت أفعل كل عام، والسبب الذي غيرني سأذكره تباعاً. قابلت أصدقائي في رمضان وفي العيد، هنالك لقاء سنوي غير مخطط (بالتياسير) لمجموعة أصدقاء الكلية وأصدقاء الثانوية، نضحك فيه ضحكاً قديماً، ونتفاخر فيه بما أنجزناه، ونشكي لبعضنا التغيرات الصحية التي طرأت علينا. بدأت إجازتي في آخر يوم قبل العيد، واتجهت فوراً إلى القرية، حيث لا زحام ولا ضجيج، وحيث يمكنني أن أشرّع النوافذ للهواء كي أستنشقَه بمطلق الحرية، وحيث لا أ...

هل تعرف قصص الندوب التي تحملها؟

صورة
  يقول طاهر الزهراني في إحدى قصصه القصيرة جدًا: «يعرف كلَّ قصص الندوب التي في جسده، لكنه نسي كيف بُترت يده!» تذكّرتُ هذه القصة أثناء جلسة سهر باذخة مع أبناء القرية، الجميع يعرف قصص الندوب التي يحملها، ويعرف كيف نشأت. الندوب شيءٌ يتعلّق بالماضي، وهي على خلاف الشامات أو الوحمات التي كان العرب قبل الإسلام يتفرّسون بها المستقبل، وكانت إحدى أشهر علوم العيافة لديهم، ولكن مع الشفاهة فُقدت بالكامل كل طُرق هذا العلم، ولم يبقَ إلا خبرها. نحن ورثنا جيلًا كانت حياتهم عبارة عن عِراكات يومية، كان لا يمضي اليوم دون جولة مصارعة واحدة على الأقل، ولأتفه الأسباب؛ عدم ردّ السلام منها، عدم حبس الأغنام أثناء عبور قطيع أغنام آخر منها، صراع مفتعل بين جملين، يتطوّر عادةً إلى صراع بين مُلّاك الجملين، لأن أحدهم قرّر أن يعصب مع جمله الذي كاد أن يُهزم، أو حتى صراع من أجل أولوية السقاية عند الآبار. حتى النساء كنّ يُنشئن جيلًا شديد الشراسة؛ كانت المرأة، حينما يُهزم طفلها، تهدّده أولًا بقطع ثديها الذي أرضعت منه طفلها، إن لم يعد ويغلب الطفل الذي غلبه، وتذهب معه إلى الطفل وتقف متفرّجة لتشهد العراك، حتى تمنع أ...

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

صورة
  منذ البارحة تتردد في ذهني هذه الجملة بلا سبب ظاهر: "من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!" وهي للعالم الفرنسي غوستاف لوبون، ذلك المفكر الذي جمع بين رصانة اللغة، وسعة الاطلاع، وقدرة تحليلية وتفكيكية نادرة. حتى إنني كثيراً ما أميل إلى ترجيح آرائه في بعض المسائل على آراء سيغموند فرويد، خصوصاً في الجوانب التأسيسية والأفكار التي لم تمسّها التأويلات الثقيلة بعد. كان لوبون يرى أن الذات الإنسانية ليست وحدة صلبة، بل هي خليط من عناصر متنافرة تتجاذب الإنسان في كل لحظة؛ عناصر من الطباع والوراثة والبيئة والخلفية المعرفية وغيرها. وكل عنصر منها يسعى إلى فرض حضوره بحسب قوته في اللحظة المعاشة. ولهذا فإن الإنسان لا يكشف عن طبعه الأقوى إلا في موقف حاسم أو حادثة فاصلة. وشواهد هذا المعنى كثيرة. فـالحجاج بن يوسف الثقفي مثلاً، تُروى عنه قصة الصفعة التي تلقاها في مكة، والتي يُقال إنها أيقظت في داخله نزعة القوة والبطش. وفي الأدب الشعبي نجد مثال قصة أبو زيد الهلالي حين نشّط فيه عِرق من طبعه فغيّر سلوكه في إحدى الغارات وجعلته ينكص على غير عادته. وحتى في الثقافة الحديثة، يمكن أن نرى هذا التحول في شخ...