أطفال السبيل / العشق يحب الصدف.

 



بدأتُ إجازتي يوم الخميس.. وكأن الكون كله قد تآمر ضدي ليكسر بهجتي بهذه الإجازة المنتزعة؛ الحقِّ المُنتزع لموظفٍ متفانٍ للغاية.

هذه المرة، رتّبتُ كل شيء؛ أنهيتُ المهام، وأرسلتُ بريداً إلكترونياً حاسماً لجميع الأقسام أُخبرهم فيه بغيابي، وأرسم لهم بوضوح الطريقة التي ستنتهي بها العمليات المعلقة. في السابق، كنتُ أتساهل، أعمل في إجازتي وأتقبل تلقي الاتصالات، لكني اليوم.. محترق تماماً، وبحاجةٍ حقيقية للراحة.

وكرفيقةٍ لهذه العزلة، اصطحبتُ معي الطبعة الجديدة من رواية "أطفال السبيل" لطاهر الزهراني الصادرة من دار رشم.

لن أستفيض في الثناء على الأسلوب المتميز للغاية في هذا العمل مقارنةً بباقي نتاج طاهر الزهراني، فالحقيقة أننا حين نحب شيئاً، نُقلّص تلقائياً من أهمية الأشياء الأخرى!

بالمختصر؛ تتحرك الرواية بين منظورين عميقين:

·        منظور غرابٍ أعصم بريشة بيضاء: يُحلق فوق أحياء جدة القديمة، يتأمل الحياة الراكضة تحته مثلما يتأمل تاريخه الخاص كغراب.

·        منظور طلال: الفتى اليتيم الذي يقع في حب "قمر" الفتاة اليتيمة؛ هو فقد أباه، وهي فقدت أمها، ليلتقيا عند رصيف الفقد المشترك.

إنها حكاية التفاصيل البريئة في عالمٍ غير بريء بالمرة. ولا أعرف حقاً كيف استطاع طاهر أن يكتب ببراعة مذهلة كل تلك التفاصيل الدقيقة: ساحة المدرسة، كواليس الحياة اليومية، التفاعلات العاطفية الغضة في عقول الأطفال، وتلك الصور البديعة لخزانات الصفيح، وحبال الغسيل، والأزقة الضيقة للحواري القديمة في جدة.

تبدو لي الرواية كمعكوسٍ كامل لفيلم "العشق يحب الصدف"، رغم أنها تتقاطع معه في الكثير من المشاهد، لا سيما في لحظات الحب البريئة؛ حين يصير مَن نحب محور عالمنا، وأجمل ما فيه.

لكن الفارق الجوهري يكمن هنا:

في الرواية.. الحياة لا تخلو من الصدف، وكل شيء يملك معناه الخاص. وفي الفيلم.. الصدفة هي التي تبحث عن معنى!

في الرواية.. مجتمعون فرّقتهم الصدفة، وفي الفيلم.. مفترقون جمعتهم الصدفة!

"أطفال السبيل" تكاد تكون ذروة الأسلوب الأدبي عند طاهر الزهراني، وهي عملٌ لا تكفيه قراءة واحدة؛ روايةٌ تعيد تذكيرنا بالطهر، وبصدمات الوعي الأولى التي تصنعنا.. بالنضج، وثمنه الباهظ.

هذا كل شيء…


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها