مِن الآخر .. يعني!
كنت ألعب
الشطرنج مع أطفالي. ابني الأكبر يلعب باحتراف، هادئ جداً، لا يحتفل، لا يصرخ،
ويتصرف وكأنه رجل أعمال يدير صفقة لا مباراة. أما ابني الذي يليه فعكسه تماماً؛
يحتفل قبل أن ينتصر، يهدد، يرعد ويزبد، ويتهم الجميع بالتآمر إذا خسر، وإذا فاز
أعاد الحديث عن انتصاره حتى يوشك أن يقنعني أنه هزم "كاسباروف"
نفسه!
المفارقة العجيبة أنني أهزم الأول بسهولة،
بينما الثاني رغم فوضويته وبساطة أسلوبه يدخلني أحياناً في حالة (كش ملك) بحصان
تائه أو فيل جاء من زاوية لا تُحسب.
أعرف السر؛ طفلي الأول يهابني ويحترمني أكثر
مما ينبغي، والثاني لا يمنحني هذه الهالة إطلاقاً، ويدخل اللعب وكأنني مجرد خصم
عادي يمكن إسقاطه. وهنا كانت فرصة جيده لأشرح لهما شيئاً مهماً: الاحترام الزائد
لا يصنع أخلاقاً فقط، بل يصنع تردداً أيضاً. بعض الناس لا يخسرون لأن خصومهم أقوى،
بل لأنهم أقنعوا أنفسهم بذلك قبل البداية. هذا لا يعني أن تحتقر الناس، لكن أثناء
المنافسة تحديداً، إذا لم تُسقط شيئاً من رهبة الآخر داخلك فلن تستطيع مجاراته؛
فالهيبة الزائدة تشلّ، أما الجرأة فتعطي العقل مساحة ليرى الفرص.
أذكر قصة قديمة من القرى، حين كان الجوع يدفع
الناس لسرقة محاصيل الآخرين. كان هناك رجل ضخم البنية، شديد القوة، يهابه الجميع،
حتى إن مجرد ذكر اسمه يكفي لإبعاد اللصوص عن بيته. ذات ليلة بيّته بعض الأشقياء
وتسوروا جداره، فسمعوه أثناء اغتساله يتحسس عضلات ذراعه ويقول: "ما أحسنك لو
كنتِ على رجل!".
في اليوم التالي شاع الخبر وانتشرت القصة، ولم
يعد أحد يهابه كما كان، وتجرأ عليه الجميع. لقد أدركوا أن الناس لا تخاف القوي
فقط، بل تخاف الصورة التي يحملها عن نفسه، وحين اكتشفوا أنه يحتقر ذاته، سقط صورته
المهيبة، الناس لا يتعاملون مع الحقيقة، بل مع تصورهم عنها.
هنالك الكثير من الخلاصات التي لن يخبرك بها
أحد، ستأتيك فجأة أثناء لعبة، أو من جملة عابرة تماماً، أو من رجل بسيط لا يعرف
حتى أنه قال شيئاً عميقاً. احفظها وانتبه لها، فهي غالباً أصدق من الكتب المنمقة.
سأكتب بعض هذه الخلاصات:
1- اختصر الطريق وتتبع سلوك أسلافك:
لا تظن أن أجدادك لم يحاولوا أن يكونوا لطفاء
مع نفس النوع من البشر الذي تتعامل معه الآن، أو لم يدخلوا نفس التجارة، أو يثقوا
بنفس الوعود. إذا فكرت بنفس طريقتهم تماماً وقاربت الأمور كما فعلوها، ستعيد
حياتهم بحذافيرها بأخطائهم قبل نجاحاتهم. النجاة ليست في تجاهل الماضي، بل في فهم
الطريقة المثالية التي نجوا بها ثم تطويرها بما يتناسب مع أمرك.
2- لا تعبث بما ينجح معك:
بعض الناس يخسرون حياتهم بسبب هوس التطوير. في
الأثر: "من بورك له في شيء فليلزمه". وعند المبرمجين مقولة شهيرة:
"مادام يعمل.. لا تلمسه". ليست كل الأشياء تحتاج تحسيناً، أحياناً إرباك
الناجح والعبث به هو نوع من الغباء المغلف بالطموح، دع الأمور على سجيتها.
3- التواطؤ له عاقبة:
يظن الناس أن مشاركتهم الصغيرة في الخطأ لن
تُحسب عليهم، لكنها تُحسب دائماً. كل فعل له عاقبة وسيرتد عليك بطريقة ما؛ إن
خيراً فخير، وإن شراً فشر.
4- احذر الثقة الزائدة:
النفس حين تطمئن أكثر من اللازم تبدأ بصناعة
الفخاخ لصاحبها. أغلب الناس لا يسقطون بسبب ضعفهم، بل بسبب شعورهم أنهم لن يسقطوا.
5- الإنسان لا يرى الحقيقة كما هي، بل كما
يحتاج أن يراها:
ولهذا قد يخاف من شخص ضعيف، ويستخف بآخر خطير،
فقط لأن صورته الذهنية سبقت الواقع.
6- بعض البشر ينتصرون لأنهم لا يدركون حجم ما
يواجهونه:
الخبرة تعطي الحكمة، لكنها تعطي الخوف أيضاً،
بينما الجاهل أحياناً يدخل المعركة بخفة تجعله أخطر من الخبير.
7- أخطر لحظة على الإنسان حين يصدق الرواية
التي صنعها عن نفسه:
الذكي الذي يكرر أنه الأذكى يتوقف عن التعلم،
والقوي الذي يتغنى بقوته يبدأ بالضعف دون أن يشعر.
8- ليست كل الهزائم خسارة:
بعض الهزائم تأتي مبكراً لتكسر وهماً كان
سيحطمك لاحقاً لو استمر.
هذا ما حضرني الآن، وربما أفضل الخلاصات
دائماً هي تلك التي تأتيك مصادفة، لا وأنت تبحث عنها.

❤️
ردحذف👍
ردحذف